ثلاثٌ فقط!

21

جمعة اللامي  /

” الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط
بينهما، ونحن في أضغاث أحلام”
(إبراهيم بن عبد الله بن الحسين)

كان ذلك منذ أربعين سنة .
أقبل عليّ صديق العمر – غريب المتروك، بعدما قلت له: “أرغب في أمر أريد أن أرويه بين يديك”. قال، كأنّما يخطب في جماعة: البلاغة هي الإيجاز، قلت: هذا قول منسوب الى أكثر من زعيم عربي، وهناك من يقول إن خطباء العرب، أمثال: قسّ بن ساعدة الإيادي، وسحبان بن وائل السهمي، وشبيب بن أبي شيبة السعدي، يرون أن الخطابة الحقّة هي “مراعاة مُقتضى الحال”.
صَفَنَ المتروك، بعدما جلس إلى منضدة صغيرة في حجرتي، رَصَفْتُ على سطحها بعض المجلدات، فمرَّ بأصابع كفه اليمنى على أحدها، وقال: عافاك الله يا صاح، إنّما خطر لي أن أُلقي عليك بعض خطبة للإمام علي بن أبي طالب.
قُلتُ: القِ.
قال: نقل شِهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي، في كتابه: “المستطرف في كلّ فن مستظرف” خِطبة لأبي تُراب، عن الموت والقبر، فقال: ألا وإنَّ القَبّرَ روضةٌ من رياض الجَنة، أو حفرةٌ من حُفر النار. ألا وأنه يتكلم في كل يوم ثلاث كلمات فيقول: أنا بيتُ الظُلمة، أنا بَيتُ الوَحشة، أنا بَيتُ الديدان!
انفطر قلبي جزعاً، فصحت بالمتروك: سلامُ عليكَ أبا الحسن، هذا هو القول الفصل، هذا الذي ليس بالهَزل!
وحانت مني التفاتة إلى صديق العمر، فرأيته دامع العينين، ولسان حاله يردّد ما قاله إبراهيم بن عبد الله بن الحسن “أيها الناس.. كل كلام في غير ذكر فهو لغو، وكل صمت في غير فكر فهو سَهْو، والدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما”.
وكتبَ الأبشيهي، وهو من علماء الجمهور، أن الناس اجتمعت عند معاوية بن أبي سفيان، “وقام الخطباء لبيعة ابنه يزيد، وأظهر قوم الكراهة، فقام رجل من بني عذرة، يقال له: “يزيد بن المقَنّع”، فاخترط من سيفه شبراً، ثم قال: أمير المؤمنين هذا؟ وأشار إلى معاوية. ثم قال: فإنْ يهلك فهذا، وأشارَ إلى يزيد. ثم قال: فمن أبى، فهذا. وأشار إلى سيفه، فقال له معاوية: أنت سيّد الخطباء”.
ومن الشعراء العرب مودق عاشق، هو “يزيد بن الطَبْرية، أراهُ خطبة معلنة، لم تؤجّل أبداً، هي حبيبته المسماة: وّحشيّة الجرميّة، وكانت جميلة، بل من أجمل النساء طٌرّاَ، وله في “الأغاني” حكاية سنورد ذكرها في يوم قابل إن شاء الله. ومن عجيب قوله في وحشيّة:
بنفسِــــــــيَ، مَنْ لَوْ مَرَّ بَرْدُ بَنانِهِ
عَلَى كبــــدِي كانَتْ شِفاءً أَنَامِلُهْ
وَمَنْ هَابَنِي في كلِّ شَيْءٍ وَهِبتهُ
فَلاَ هُوَ يُعْطِينِي وَلاَ أَنَا سَـــــائِلُهْ
وكنت أريد أن أحدّث صاحبي في شأن خطبتي المؤجلة، لكنه فاجأني بقوله:
ــ “ألا ترى، أن كبراءنا يخترطون أمتاراً من سيوفهم ، ولا نفعل نحن شيئاً”.