جالا وعالية.. نرفع لكما القبعة

155

نرمين المفتي /

في ١٨ آب، حصلت المعمارية العراقية جالا المخزومي المتخصصة في هندسة المساحات الخُضر على أرفع تكريم في مجالها وهو وسام المعماري الإنجليزي جيفري آلان جيليكو لسنة ٢٠٢١ لدورها الريادي العالمي في هندسة المساحات وتقديمها رؤى بديلة للمناظر الطبيعية.. وكانت المخزومي قد عملت في المكتب الاستشاري العراقي وأستاذة للعمارة في الجامعة التكنولوجية وأشرفت على رسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه متميزة، وعملت على تخطيط دمشق وبغداد وأربيل وصيدا، وحفظ الإرث التاريخي الديني لمدينتي الكاظمية والنجف.
وتركز المخزومي، حسب شهادة الوسام الرفيع، في عملها على المقاربة بين احتياجات المجتمع وصحّة النظام الإيكولوجي، وحماية التنوع البيولوجي والمحافظة على تراث المناظر الطبيعية. وتشمل خبراتها المهنية والأكاديمية سبل إنعاش البلاد في مرحلة ما بعد الحرب. وقد أسست قسم هندسة المساحات الخُضر في الجامعة الامريكية في بيروت عام ٢٠٠١ وعملت في تنفيذ عشرات المشاريع المتميزة في مجال تخصصها. هي قطعاً من الكفاءات التي يستمر العراق بإصرار في خسارتها قبل ٢٠٠٣ وبعدها، تُراها لو جاءت في زيارة الى بغداد ما الذي ستقوله والمدينة العريقة فقدت تقريباً مساحاتها الخضر وبعض تراثها، وهناك من ينتظر أن تخسر هذا التراث المعماري كله؟ ما الذي ستقوله حين تتمشى في شارع الرشيد حيث صبا بغداد وتعب بناياتها التي تحمل تراثها المعماري المميز بانتظار أن تنهار، وترى البنايات التجارية الجديدة والقبيحة جداً، وقطعا لن تجد جواباً لسؤال طالما سألته شخصياً عمن نصحهم بأن اللون الأخضر يمثل التراث المعماري؟
وفي ١٤ آب، بدأت عالية محمد باقر رحلتها الأبدية، كانت أمينة المكتبة العامة في البصرة إبان الغزو في ٢٠٠٣ وكانت – بمساعدة الاقرباء والاصدقاء – قد أفرغت المكتبة من الكتب والمخطوطات حين وضعت القوات العراقية مدافع مضادة للطائرات على سطحها، فأنقذت بذلك ٣٠ ألف كتاب ومخطوطة..
في قصة (كتبيــــــة البصـــــرة: قصـــــة حقيقـــية مـــــن العراق
The Librarian of Basra: A True Story from Iraqالتي ألفتها ورسمتها الكاتبة والرسامة الامريكية جانيت وينتر للأطفال عن عالية، تعرفت إلى (أنيس) صاحب المطعم الذي ساعدها في خزن بعض الكتب في مطعمه. وكانت المكتبة قد قُصفت ودُمرت في اليوم السابع للغزو، ونالت عالية كثيراً من شهادات التكريم العربية والعالمية وكُتب عنها الكثير. رحلت عالية جراء مضاعفات كورونا، وإن كان هناك من يستحق أن يكرم بإقامة نصب له في البصرة، فإن عالية من بينهم.. لم تحاول عالية أن تتاجر بموقفها ولم تسعَ وراء شهرة أو تكريم، بل كانت فرحة دائماً بأنها أنقذت الكتب والمخطوطات، بينما دُمر وأُحرق ونُهب كثير من المتاحف والمكتبات في عموم العراق في الأسبوع الأول بعد ٩ نيسان ٢٠٠٣..
للسيدتين جالا وعالية نرفع القبعة، للأولى تحية وللثانية تكريماً وتلويحة وداع ونتمنى أن يتنبه العراق الى خساراته المستمرة لكفاءاته لشتى الأسباب وكأن هناك من يصر عليها أو يقبلها بقصد أو بدونه..