جسارة الصور

683

 حسام السراي/

صورٌ بعينها، مثلُ طائرة نفاثة تنقضّ على بصرك، تخالفُ بلاغتها مجازات اللغات، وتهنَأ بشيء من الرسوخ في عقول الأفراد، لو أتيح لأنموذج منها نيل مرتبة من مراتب الشيوع أو التداول. التسليم بإحالة الصورة إلى توظيفات ومكانة “النصّ البصريّ” واشتراطاته، والتنبّه إلى أنّ علم الدلالة المنذور لتفسير العلامات ومعاني الجمل والملفوظات؛ يعطينا نتيجة واحدة، هي أنّ تفصيلات اللقطة الواحدة، الصادمة، والمفزعة، وحدات بنائيّة تشكّل منطوقاً بأكمله، يختصر لك الذهول أو الرعب، بحسب تراكيب ما صنعته الكاميرا. وإنْ حُسبت الكلمة في الجمل المنطوقة أو المكتوبة، أساساً للوحدة الدلاليّة، تؤولُ الحركة التي تلتقطها العين، على أنّها العنوان الأوحد لصياغة الأثر المحفّز للذاكرة.

كنت أجهلُ لسنوات، وقع صور مرّت عليّ في الحياة، دائماً ما غرزت ضربتها في الرأس، وكأنّها فأس اخترق الدماغ بنحو خارق، فيها من الجسارة التي يختبئ منها حدسك الشخصيّ، إذ تأسرك بما تضمّه من عيون توقظ الحواس النائمة، وتفترق معها عن ماضيك.

ممّا تصدّرها في التسعينات، صورة بنت ممشوقة تدرس الهندسة المعماريّة في جامعة بغداد، تمايلها فَرِحةً وهي تحتفل بالتخرّج قبل نيسان 2003، مقيمٌ في الذاكرة إلى يومنا، فهذه الجوهرة من خزائن الاطمئنان في الذات، أخضعت تعبيراتها إلى منطق المعادل الموضوعيّ لتجاعيد شوهاء في اليوميات العراقيّة.

لم يحدث أن تلقّيت هدية، وصولها هدّ بنيان الاتزان الذي تعوّدته وتعوّده الآخرون منك، الهدية كتاب لوركا “الأغاني وما بعدها”، أي سرّ وأي قيمة خاصّة تحملها مصادفة العام الماضي، ومع التصفّح الأوّل لقصائد الشاعر الذبيح يوقفك هذا المقطع: “أحسّ أنّ كلمة وحيدة قد بقيت في فمه..”، احتفظت بالكتاب واختفت صاحبته التي يتلوّى في فمك عنها وعن دهشتك منها كلام كثير لم يُقل بعد، أمّا صورتها بيدها هديتها، فهي معلّقة بثبات في ساعات اليقظة والنوم.

فَرُغت الشوارع بعد يوم من علوّ الرصاص عند أطراف المنطقة الخضراء؛ لاقتحامها من قبل متظاهرين، أواخر نيسان الفائت، وبغداد سلّمت نفسها للخوف، أقرّت المدينة بذلك، فملامح الحركة متواضعة ولا خروج إلا للضرورات، كان الانتظار منطق الجميع، ممّن التزموا البيوت أو خرجوا مجبرين. شارع العرصات مخذول أيضاً، المارّة قليلون، ومحال الماكياج والعطور النسائيّة بلا روّاد، حيث لا شعرَ أسودَ أو أشقرَ يتموّج فيها، ولا عيون تتلصّص النظرات إلى الوافدات هناك. الأغاني الشبابيّة أيضاً لم تصخب بسطحيتها، حتّى هذه افتقدتها.

في هذا المساء الكئيب، تدخل إلى الشارع امرأة تجاوزت الثلاثين، جمالها ينسكبُ مثل جدول ماء في صحراء، وبقميص “كاشوال” وجينز أسود، تخترق السكون الذي ساد جانبي المكان. محال الماركات مقفلة، ومشيتها لأمتار فقط عند الساعة 9 مساء بتوقيت بغداد هي الماركة المستحدثة، هذا القوام وتلك الثقة المُصاغة من بساطةٍ مُكلفة وشعرٍ أسودَ طويل، لا تجاريه مؤهلات عشر جميلات زرنَ العرصات سابقاً وتجوّلن هناك- بحثاً عن اعتداد إضافي بما لديهن- بين محال “الشهيرة” و”هي” و”باريس غاليري” و”Market Outlet”.

السلام على قميصها “الكاشوال” السلام على جينزها الأسود السلام على المرأة الجريئة فيها، فبغداد تزيّت بهيئتها وإنْ لدقائق.