جلباب الضغينة

188

سعاد الجزائري /

برنامج يذاع على راديو سوا، يعده ويقدمه صديقي وزميلي نبيل الحيدري الذي تناول في إحدى حلقاته موضوع الثأر والتسامح في الشخصية العراقية، دار النقاش وتفرّع من العائلة إلى العشيرة، ومن القانون إلى الحكم بالسيف أو بالرصاصة، ومن الوعي إلى الجهل… ومن المسؤول إلى التابع الخ، والكل أكد حاجتنا الملحة إلى التحلي بالتسامح، لإجلنا وليس تحت سطوة وقانون المتحكم بنا، كما تساءلت الأغلبية عن الدافع وراء شيوع الضغينة والثأر على سطح نفوس الكثير منا كبديل عن القيم السامية التي تحلّت بها أرواحنا قبل أن تجتاح الوحوش أرض السواد..
الحقيقة استفزتني قسوة كلمتي (الثأر والانتقام) اللتين تضمنهما عنوان البرنامج، وشعرت بالحزن لأنهما تعلّقا برقبة العراقي كما الطوق الآسر، ول ا نعرف إلى متى ستبقى الضغينة والتشاحن كظل لنا.
هذا الشعور قادني إلى التفكير بثقل حمل الضغينة والثأر والتشاحن، فكم من جهد فكري وروحي وجسدي نبذله عندما نتلبس حالة الكره والعداء؟ وكم من بذرة محبة تموت في أرض تسقى بمياه الكرة وقانون الثأر والقتل.
قال شمس التبريزي: (جالس جميل الروح عسى أن تصيبك عدوى جماله). الجميلون حولنا كُثر، وجالسناهم طويلا، لكن وباء التطرف بمختلف أشكاله استل جمالهم وصار هذا (الكثير) منّا كأنَّه جسد مفرّغ من روحه، فالتطاحن والتطرف والعداء تفرغ أجسادنا وأرواحنا من الجمال لتستوطنها وحوش الشر.
بوعي أو بدون وعي صرنا نفكر بطائفة الآخر، دينه، فكره المختلف، حجم قصره، وحجم رصيده المسروق، ولم نعد نجالس الجميل، لأنَّه تخلّى عن ثوب الجمال مقابل جلباب الضغينة والثأر.
المصري والاردني والسوري وغيرهم، يذكر العراقي بمحبة، لأنّه رحّب بهم، وكما يقول المثل: صاروا أهل الدار ونحن الضيوف عندهم، فهل بقي عندهم هذا الانطباع عندما رأوا كيف نتقاتل مع بعضنا وكيف تخلّينا عن بساط المحبّة لنفترش شوك الضغينة بين بعضنا البعض..
البذور الجيدة والسيئة لا تنبت الا بالتربة التي تتقبلها، وبذور الضغينة أغلبها جاف في باطنه، ولا ينمو الا في أرضية تتقبله، فمَنْ غير تربتنا؟ ومَن سقى الضغينة والثأر بيننا؟
والسؤال الأكثر قسوة، لماذا سقينا هذا التناحر، وهل نستحق أن نكون ضحايا بعضنا البعض؟
ربما هي لعنة تطاردنا منذ زمن بعيد أو ليس ببعيد، لأننا أسأنا لأقوام كانوا معنا، او لأديان آمنت بنا، ثم تخلينا عنهم، وربما لأننا فقدنا الأمان ببعضنا ونسينا نهائيا أن حمل الكره والضغينة ثقيل جداً جداً وأكبر من طاقة إنسان سويّ، بينما حمل الحب والتسامح خفيف وسهل، والأهم من ذلك سهولة مشاركته وانتشاره… وسلم قول الحجاج المظلوم:
“الناسُ موتى وأهلُ الحبّ أحياء”