جواد الحلو!!

224

#خليك_بالبيت

حسن العاني /

   سبعة كنا على وجه التحديد، أكبرنا في السادسة والعشرين من العمر، هو الذي إخترناه – إحتراما لشيخوخته –كي يشغل منصب (المدير)، وأصغرنا لم يتخط العشرين ، كان اسمه (جواد)، أولئك الفتيان السبعة الذين تركوا مراهقتهم في العاصمة، وقَدِموا الى قرية (النهروان) بتاريخ 2/1/1965 وسجلوا (المباشرة) بصفتهم الوظيفية (معلمين) في المدرسة الأبتدائية التي تحمل إسم القرية نفسها، وبذلك أصبحوا هم (الملاك) الجديد على حساب الملاك القديم الذي تم نقله الى بغداد مغمورا بالسعادة. غيرإن أحدا غير السبعة ما كان بمقدوره أن يتحسس طعم الفرحة، ليس لأنه بات موظفا فقط ويتقاضى راتبا شهريا قدره (32) دينارا، بل قبل ذلك لأن نشوة مخاطبتهم بمفردة (ستاد) لها وقعٌ من الهيبة والأبهة كفيل بأستحضارأعلى صور النرجسية!!

يوما بعد يوم كنا نتعرف على بيئتنا وعلى معالم قريتنا الموغلة في البعد والتخلف .. ومع ذلك تولد لدينا شعور إجتماعي رائع، بأننا نحن والتلامذة أسرة واحدة، وآية ذلك عددهم اللافت للنظر، انهم (50 تلميذا و3 تلميذات)، هذه هي مدرسة النهروان عام 1965، وكان من الطبيعي أن نتعرف على طباع بعضنا، ونتحرر بمرور الوقت من رسميات الوظيفة، ونهدم مع كل يوم جديد حاجزا من حواجز التحفظ، مقتربين بسرعة من حدود (الميانة) التي باتت بعد شهر واحد (متطرفة) ولكنها لم تفقد موجبات الأحترام، ومن هنا إختفى (إسم) جواد عن مجالسنا الخاصة، وحل محله (لقبه) – وهو من إبتكارنا- في حضوره وغيابه.. إنه جواد الحلو!

هذا الفتى كان يحمل من الوسامة ما يحق للنسوة أن يقطعن أيديهن، ولكن وسامته الأعظم تكمن في مكونات شخصيته، فهو سخاء وطيبة مع إندفاع مجنون لمساعدة الآخرين.. كان يشتري الملابس للتلاميذ الفقراء ويقدمها لهم على إنها هدايا تشجيعية، وأذكر مرة إن أحد التلاميذ غادر صفه مسرعا وتقيأ على أحد الجدران الطينية للمدرسة، وقد أصابنا الذعر لأن الكوليرا يومها كانت رعبا حقيقيا.. جواد يسرع اليه والمدير يتوسل ويرجوه أن لا يقترب خشية إنتقال العدوى، والى حين نقله الى المركز الصحي .. جواد يغسل وجهه ثم يعرف منه إنه غادر البيت بدون إفطار، وفي الطريق الى الدوام قطف ثمرة باذنجان وأكلها.. عندها فقط إطمأن الحلو..

على إن قمة المزايا التي عشقناها فيه هي روح النكتة، والمزاح الذي لا يفارقه .. يا عيني على هذا الزميل الذي بات الصديق الأقرب الى روحي ، وقد توطدت علاقتنا أكثر بعد قبولنا معا في الجامعة المستنصرية، ونقلنا وظيفيا من (النهروان) الى مدرسة واحدة في مدينة الثورة، إسمها على ما أذكر (الرافعي) ، ومن الطبيعي أن ترتقي صداقتنا الى المستوى العائلي.. ربما باعدت بيننا ظروف الحياة ومتاعبها ، غير إن هذا لم يمنع تواصلنا سواء عبر الهاتف أم الزيارات.. وإن كانت متباعدة.. في أزمة كورونا إتصلت به هاتفيا للأطمئنان ولكي أحذره من إندفاعه أو لامبالاته.. كان يصلي.. تحدث معي ولده محمد الذي أخبرني بأن والده فرض على الأسرة إقامة جبرية مشددة، ولكنه بالمقابل إشترى كمية من الكفوف والكمامات وأمرنا بأيصالها الى خمسين عائلة فقيرة.. حين إنتهى الحلو من صلاته، قال في سياق الكلام ( أنا والأسرة بشرفي ملتزمون تماما، ولكن على الأطباء تخفيف طلباتهم.. آمنت بالله كلامهم صحيح ومقبول.. غسل اليدين بالماء والصابون، ملازمة البيت ، الكفوف، الكمامات، تجنب اللمس، الأبتعاد عن الأماكن المزدحمة.. لكن مو معقولة ممنوع البوس!!) ، ذلك هو الحلو ، قادر على تحدي كورونا وإشاعة البسمة على الشفاه..

النسخة الألكترونية من العدد  356 

“أون لآين -1-”