جينات الحداثة

378

رنا سفكوني /

هل يقتصر تعريف مفهوم الأسرة على الزواج والتبني والتربية لاستمرار النوع البشري كوسيلة للدفاع عن الوجود..؟
لا أظن ذلك، فمفهوم الأسرة أوسع من أن يعرف ضمن مفردات صغيرة تستطيع توصيف هذا التشكيل الاجتماعي الذي يشكل حجر أساس في تكوين المجتمع.
لا يقتصر بناء أسرة على الزواج وإنجاب الأطفال والسعي لتحريك عجلة الاقتصاد السريعة في ظل تطور العلوم قاطبة حولنا. أفكر بنا جديا، نحن أبناء الزمن الرقمي الذي بات وسيلة للتطور والتقدم، أبناء الأزرار السريعة إن كانت على أجهزة الكومبيوترات أو خلف شاشات المونيتور أو أمام شاشات التلفاز.
أحدق بطفلي طويلاً، وأعلم بأن مهمتي كأم لم تعد تقتصر على تربيته وتعليمه واحتوائه عاطفياً، إنما أصبحت المهمة أكثر صعوبة مع هذا التدفق الغزير في التطور التكنولوجي الذي يحيطنا كيفما التفتنا.
لربما من الذكاء أن نتعامل مع هذا الفارق بين جيلين بحذر. جيلان أحدهما أدهشته التكنولوجيا والآخر يتعامل معها كأنها من البديهيات اليومية.
إلى أية درجة نستطيع التحكم في سلوك الطفل وأخلاقياته وانفعالاته في زمن بات يحدد معظم قيمه بتوصيات نتأت عن ضغط الأصابع على الأزرار.
ربما علينا بالضرورة أن نسأل هل نحن خائفون من هذه الفجوة بين زمنين متباعدين في تعاطي التكنولوجيا؟
وهل علينا أن نتحول إلى مراقبين لتصرفات أطفالنا على مدار الساعة خوفاً من الوقوع في خطأ نجهل مصدره؟
كيف نصنع التوازن الذي قد يقينا ويقي أطفالنا من فجوة فكرية علمية تجعل المسافة بيننا أطول بأشواط كبيرة.
لربما تنقذنا الأغنيات، حكايات الورق، ملمس الكتب، صوت المذيع في الحاكي، إعادة تلقيب التلفاز بالرائي، تعليق ربابة على الحائط، حياكة الجوارب بالمخارز، وفقء عين الفجوة بتقريب الماضي إلى الحاضر.
أضع كل ما سبق من تفاصيل حياة عتيقة وأكثر أمام طفلي الذي أجعله يقارن بين زمنين باللمس والسمع وتحسس الفوارق بين لحن قديم ولحن جديد، بين لطخات الحبر على رؤوس الأصابع واصفرارها من ضغط الأزرار الجافة.
لا رغبة لي في إبعاده عن الجينات المصطنعة التي راح العالم يزرعها في تكوينه، غير أني حريصة على جعله ممسكاً حبل الزمان من المنتصف. ليحمل في رأسه الصغير صورة عن العالم الذي بدأ بالتبدل من وجه أصيل موشوم بتجاعيد حسن وبهجة إلى وجه انتفخ بإبر البوتكس لشد الترهل السريع الذي أصابه.
إن كنا نثق بماضينا الذي صنعناه كأفراد يؤمنون بجمال التفاصيل البسيطة، وكنا على يقين بأننا نستطيع استيعاب التطور المفاجئ الذي غزانا دون سابق إنذار، سنصبح قادرين على جعل صفة التوازن إحدى صفات أولادنا، تاركين القلق مع القليل من الرقابة البعيدة جانبا.
ليست الأسرة مكاناً للنشأة فقط، إنما هي المصنع الأول للكتاب والعلماء والمفكرين والمبدعين والمثقفين، هي المصدر الأول لنخبة المجتمع.
(يقتصر دور الأسرة) جملة خاطئة بالمطلق، من قال إن هذا الدور يقف عند حد معين، من قال إن الحب والتربية وتلقين الثقافة والإشارة إلى جماليات الحياة وتعليم تذوق الفنون وتنمية المواهب لها عمر زمني يقاس بتاريخ محبوس بين قوسين.
إنها مهمة غير قابلة للانتهاء، لها صفة الاستدامة، فطالما نحن على قيد الحياة، سنظل قادرين على التربية والتوجيه والتعليم وصقل أرواح أولادنا، قادرين على رسم ملامح عامة لمستقبل مغاير لمخاوفنا، مستقبل لا يمحو زمناً على حساب آخر، مستقبل يجمع الأزمنة كافة في رأس شخص واحد كفيل بتغيير العالم على مبدأ أثر الفراشة.
نحن من نصنع الأثر في هذا العالم، نحن الأسر التي تتقن تقطيب هذا الرتق بين الماضي والحاضر لخلق زمن حقيقي يليق بأطفالنا.