حاتم الصكر

66

بيان الصفدي /

في أيامي العراقية الأولى في بغداد عرفت من خلال ما قدمته من قصص وقصائد للأطفال في مجلتي والمزمار، فقد كنت في بدايات نشري في المجلات والصحف. والصديق أبو هند حاتم الصكر هو الوحيد الذي فوجئت أنه تابعني على قلة ما كان منشوراً لي للكبار والصغار معاً. حصل هذا في لقاء أول لا أنساه في رئاسة مجلتي والمزمار في الوزيرية، وكنت في الأسابيع الأولى من عملي، وحاتم وقتها مدرس لغة عربية في إحدى إعداديات بغداد.
ودود وقريب من القلب، ومتابع كبير للأدب العربي كله، يكتب الشعر وينشره، إضافة إلى بعض الدراسات والمقالات، وقد كانت ابنته هند طفلة ذكية ومميزة ومعجبة بشعري، وتتابع ما أنشر في (مجلتي) و(المزمار)، اصطحبها حاتم مراراً لتراني في العمل، وقد ذكر لي أنه ينوي ترك الشعر والتفرغ للنقد، وبعض ما كان ينشره وقتها كان في الصحافة اليسارية، وبالطبع سيصبح فيما بعد ناقداً عربياً مرموقاً.
تحدَّثنا طويلاً، وبرفقته دائماً تقريباً الأديب عادل العامل، ولا أنسى أننا تواعدنا والتقينا في (نادي المعلمين) حين أصرَّ حاتم أن يعرفني بصحفية كبيرة وإنسانة رائعة لا تُنسى، هي سلام خياط رئيسة تحرير إحدى المجلات في حينها، وأن أحمل إليها قصيدة للنشر، ففعلت.
وأول شيء طلبتُه وقتها من حاتم أن يعرفني بشاعر أعدُّه أحد أساتذتي القلائل في الشعر وهو سعدي يوسف، فسُرَّ كثيراً، ولم تمضِ سوى أيام حتى ذهبنا معاً إلى مجلة (التراث الشعبي) حيث كان سعدي يعمل سكرتير تحرير لها في ساحة كهرمانة.
كان حاتم يضيق بعمله ويحلم أن ينتقل إلى العمل في (دار ثقافة الأطفال) فنجحت مساعيه، وكسبت الدار أديباً لامعاً مثله، فعمل مصححاً ومحرراً ثقافياً، ورئيساً لقسم الإشراف اللغوي.
صار حاتم زميل عمل، كثير التهذيب، ومميز بثقافته، يشاركنا الجد والمزاح، لكنه لم يشاركنا الجلسات خارج العمل، وكانت آنذاك شبه عادة يومية في الوسط الثقافي والصحفي، لكنه انقطع فجأة، وذهب فيما بعد -على ما أذكر- إلى زاخو ضمن الجيش الشعبي الذي طال أكثرية الشباب وقتها، ثم كان أن غادرت العراق في 1982، لكنني تابعت تطورات نتاجه في النقد، وأفرحني أن علمت ذات يوم أنه صار رئيساً لتحرير مجلة (الأقلام).
وفي نهاية عام 1988 ذهبت إلى اليمن، ووقتها كانت العلاقات السورية العراقية مقطوعة بالكامل، إلى درجة أنه كان يُكتَب على الجواز السوري عبارة مؤلمة هي: كل دول العالم “ما عدا العراق”!!.
في صنعاء فرحت بداية بأن التقيت بحاتم في معرض للكتاب في عام 1991، ففتحنا صفحات من الذكريات، لكن العراق وقتها بدأ ينهار تحت الحصار والحملة الإيمانية، وبدا العوز والحال الفجائعية على وضع هذا البلد، وبعدها بسنة ربما أطلعنا د. عبد العزيز المقالح على رسالة مؤلمة يطلب فيها أبو هند من المقالح –وهو رئيس جامعة صنعاء- أن يؤمن له عقداً في جامعة صنعاء، فكان له ذلك.
الطريف أنه سبق له أن عمل مدرساً في عدن قبل أكثر من عشرين سنة، فيما كان يسمى (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، وقد حدثني أنه وقتها قدم اسمه للمدير، ففوجئ بمدرس يقهقه بصوت عالٍ عندما سمع بالكنية (الصكر) ويقول:
“والله صارت مدرستنا بأجنحة يمكن تطير!! فأنا جرادة ولي زميل غراب وهذا أنت الثالث صقر!”
وكان ذلك المقهقه هو الشاعر اليمني محمد سعيد جرادة.
في اليمن صارت لقاءاتنا عديدة، وإن كانت لكل منا علاقاته واهتماماته ومشاغله، ونشط ثقافياً، ونال شهادة الدكتوراه من جامعة صنعاء.
والصديق الصكر يتصدر عربياً جميع من كتبوا عن قصيدة النثر، فقد استطاع أن يقدم أعمق وأجمل ما يقال عنها نظرياً وتطبيقياً، وظلت دراساته تمتاز بالشمول والاطلاع الواسع والذائقة المرهفة، فهو شاعر أيضاً، كل هذا إضافة إلى أنه واحد من نقاد الفن التشكيلي اللامعين.
غادرت اليمن صيف 1997، ودارت الدوائر على العراق من كل جهة وشكل، وفجعني أن الصديق حاتم فقد ابنه الشاب زيد على نحو مروِّع، إذ اختطفه إرهابيون على الطريق الدولي بين العراق والأردن، وانقطعت أخباره، فعاش كأب محنة قاسية ولا زال، وهو الإنسان الذي يصعب عليك أن ترميه بوردة!
الآن أبو هند في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه مازال في أوج نشاطه الأدبي، وكل الجراح العميقة التي أصابته لم تجعله يقطع الصلة بالحياة، ولم تفصله عن الجمال والعطاء والصداقة.
نتواصل أحياناً، وعندما أعددت الطبعة الثانية من مختارات شعرية لي -ستصدر قريباً- طلبت منه أن تكون كلمة الغلاف له، فلم يتأخَّر، وأهداني رسالة محبة جاءت لتؤكد صداقة مضى عليها ما يقرب من خمسة وأربعين عاماً.