حارات دمشق القديمة

83

علاء هادي الحطاب /

أتيحت لي فرصة السفر إلى دمشق بالرغم من إجراءات السفر المعقدة، ولم أكن اتوقع أن أرى دمشق القديمة تحافظ على تراثها وأبنيتها كما كانت نتيجة لظروف الحرب التي مرت بها وما تزال، وبالرغم من الوضع الاقتصادي الصعب جدَّاً الذي تمر به إذ لا تستطيع الحكومة هناك – مثلا – توفير الوقود بكل أنواعه مما زاد من عتمة الشام وريفها، وبالرغم من صعوبة العيش لأفرادها وانهيار عملتها وضعف الدخل الشهري لمواطنيها مقابل إنفاقهم فقط على حاجاتهم الأساسية، والوضع المعيشي هناك يشبه إلى حد كبير وضعنا إبان الحصار الاقتصادي بل وأسوأ بكثير، فالموظف هناك مهما كانت وظيفته العمومية لا يمكنه سد رمق عيشه لأيام إزاء ما يتقاضاه من راتب شهري، فكيف ببقية الخدمات التي تُقدم له.
ومع كل ذلك وأكثر ما تزال دمشق القديمة تحافظ على تراثها وأبنيتها ومحالها وحاراتها كما كانت، فالمحال والبنايات وحتى الدور هناك حافظت على نسق وشكل واحد؛ لا تجاوز على الرصيف ولا واجهات بلاستيكية شوّهت مناظرها وغيّبت ملامحها، فواجهات المحال كلها من الخشب كما كانت وحتى لافتات وأسماء الأبنية حافظت على شكلها التراثي الموحّد، فلم يُترك المجال وفق القانون ووسائل إنفاذه أن يجتهد أصحاب البنايات لتزيين بناياتهم بل الجميع هناك ملتزم بالشكل الموحّد الذي كانت عليه.
وهذا الأمر مضافا إلى كونه ثقافة عامة لدى أفراد الشعب بضرورة الحفاظ على تراثهم وآثارهم فقد كان للقانون وقوة وصرامة تنفيذه دور في ذلك، كذلك الخدمات البسيطة من قبيل مجاري الامطار والمياه فهي الأخرى مرتبة وكأنَّها في بلد متمكن اقتصاديا لإدامتها، فلا ترى مواطناً يرمي النفايات على قارعة الطريق ولا آخر يفتح صنبور المياه على عواهنه، ولا لنافذ هناك أن يبني بناء مضافا ويتمدّد على استحقاقه.
وهنا وكأي عراقي يشاهد بلداً أقل من كفاءة بلده اقتصاديا ليس له الا أن يقارن بين الحالتين وبمجرد حضور تلك المقارنة يحضر معها الألم والحسرة، فحارات بغداد القديمة تحولت إلى مكبات للنفايات ومجاري المياه الآسنة خرجت عن الخدمة وظهرت بشكل مقرف فوق الاسفلت – طبعا – إن وجد هذا الاسفلت فلا تستطيع أن تتجول في أزقة الكفاح أو الميدان أو قنبر علي أو الشواكة أو غيرها دون أن تستنشق الروائح الصادرة عن شوارعها، فضلا عن الاستمتاع بتراث أبنيتها الذي غيّبته واجهات “الايكيبوند” وألوان الطلاء المنوعة وواجهات تلك الأبنية التي اندثرت وحلّ محلها الفوضى والعشوائية في كل شيء.
والتقصير هنا لا يقع على المؤسسات الخدمية فقط وإن كان تقاعسها عن أداء دورها هو السبب الرئيس بل يقع التقصير أيضا على المواطن الذي فرّط لسبب أو لآخر بجمالية الحفاظ على محله وبنايته، وأس المشكلة يكمن في غياب القانون الذي يحافظ على هذا التراث وإن وجد القانون فغياب سلطة إنفاذه كان السبب في عدم بقاء تلك الأحياء القديمة التي تحولت الكثير من أبنيتها القديمة إلى مخازن للخشب والبضائع وبعضها الآخر تهاوت وباتت مجرد خرائب لا يمكن النظر اليها وبعضها الآخر تم هدمه وتحويله إلى عمارات لمكاتب أو شقق سكنية، وبهذا اندثرت وضاعت من بين أيدينا بغداد القديمة، ولم يكن لصاحب القرار رؤية لتحويل تلك البنايات إلى أماكن تراثية ومتاحف ومشغولات فنية أو غيرها وما أكثر حاجتنا اليوم إلى أماكن جذب للمواطن العراقي فضلا عن غيره تحاكي آثاره وحضارته وتراثه.
وما بقي من بغداد القديمة وأزقتها يصعب الحفاظ عليه اليوم لتراكم وتعقّد الحلول وتقبّل المواطن لها لأسباب كثيرة؛ تبدأ بالثقافة العامة ولا تنتهي بدور القانون ووسائل تنفيذه.