حزنُ ضيفِ الأعظمية

193

عبد الحليم الرهيمي /

تعمد بعض الحكومات، أو قوات الاحتلال لبلد ما، إلى إبعاد بعض الأشخاص المعارضين أو المعادين لها من أماكن إقامتهم إلى أماكن أخرى داخل بلدهم أو خارجه، وذلك للحد من تأثيرهم وتحريضهم للوسط الذي يعيشون فيه، دون معاقبتهم بإجراءات شديدة قد تصعِّد من ردود الأفعال والنقمة ضدهم.
هكذا كانت تفعل حكومات روسيا القيصرية بمعارضيها الأقوياء المؤثرين دون حبسهم، وهكذا عملت قوات الاحتلال البريطاني للعراق (1914-1918) عندما أبعدت شخصيات مهمة ومحرِّضة ضدها كجعفر أبو التمن وغيره إلى جزيرة هنغام في الخليج العربي قرب سواحل عمان..
وهكذا حصل أيضاً في عهد حكومة عبد الكريم قاسم (1958-1963) حين كانت تبعد بعض الناشطين غير الخطرين والمؤثرين في مناطقهم إلى مدن ومحافظات أخرى داخل العراق.
وكمثال، فقد أبعد إلى مدينتا –الحلة، محافظة بابل- عام 1960 أحد الفتيان الذي لا يتجاوز عمره الخمسة عشر عاماً من مدينة الأعظمية – محافظة بغداد باعتباره (فتىً سياسياً) يحرّض ضد حكومة قاسم وضد الشيوعية أيضاً. لقد استقبل هذا الشاب (الفتى السياسي) من فتيان مدينة الحلة بالترحيب الحار والاحتفاء الشديد به والتباري في تضييفه وتوفير أفضل الظروف للعب معهم طيلة سنة (عقوبته) التي قضاها في مدينة الحلة. وعندما انتهت مدة (محكوميته) في الإبعاد رفض دعوة الحكومة لعودته للأعظمية. وعندما جاء ذووه لإقناعه بالعودة رفض ذلك وعبَّر عن حزنه وكاد يبكي، لأنه لا يريد مفارقة أصدقائه الجدد.. ترى كيف سيعاقب فتى كهذا الفتى عن معارضته لسياسة حكومة بلده في العهود التي تلت عهد حكم المرحوم عبد الكريم قاسم صاحب القول والسلوك المتسامح (عفا الله عما سلف) .. لا أدري أين هو الآن ضيف مدينتنا الفتى السياسي الذي أصبح شيخاً، وفيما إذا كان سيساهم في حركة الاحتجاجات ليوصف بالشيخ السياسي، بدلاً من الفتى السياسي!