حفرة الدغارة

441

حسن العاني/

المعلومات التي بين يدي، تشير الى انه بتاريخ 2/6/1958، بدأ العمل بانشاء مستشفى الدغارة العام بسِعةِ 78 سريرا، وهو من مشاريع مجلس الاعمار لتلك السنة، وتم اختيار منطقة الدغارة، لأن موقعها يتوسط ثلاث مدن قريبة منها، يمكن ان تفيد من خدماتها، كما تشير المعلومات الى ان الجهة التي أخذت على عاتقها مهمة انجاز المشروع، قد انتهت من حفر الأساس الخاص بالضلع الجنوبي للمبنى بطول 84 متراً، وعمق (1،5 متر)، الا ان قيام (14 تموز1958) أدى الى توقف العمل بصورة مؤقتة في المشروع، ريثما تستقر أوضاع البلاد!
المعروف عن العراق بانه حاضنة المؤقتات، حتى دستوره مؤقت في معظم الأحيان، ولذلك ظلت حفرة الاساس – وهي كبيرة في طولها وعمقها- على ماهي عليه، لم يتم ردمها، ولا إكمال البناء عليها، لأن معظم مفاصل الدولة انشغلت بالأوضاع الجديدة، والنظام الملكي (البائد) واجتثاث اتباعه، مثلما أخذها الانشغال بالصراعات العنيفة بين الاحزاب والقوى السياسية فيما بينها، وكما هو متوقع تحوّلت الحفرة مع الأيام الى مستنقع آسن شتاء، ومكبٍّ للنفايات صيفاً، ونسيتْها الدولة حتى حدث انقلاب شباط الدموي عام 1963، فانصرفت الدولة الى تثبيتِ سلطتها، ولم تكتفِ باجتثاث عبد الكريم قاسم وأعوانه، بل عمدت الى قتلهم وفيما كانتِ الحفرة تأخذ بالاتساع، إستولتِ “العائلة” العارفية في تشرين الثاني عام 1963 على مقاليد الحكم، وإنشغلتْ كما هو متوقع، باجتثاث النظام البعثي وأنصاره ومؤيديه، وقبل أن تفرغ منهم، عاد البعثيون الى السلطة من جديد، وكالعادة لم يلتفتوا الى الحفرة التي أصبحتْ بحيرة آسنةً، وموطناً للنفايات، لأن الحزب الحاكم إنشغل باجتثاث كل ما سبقه ومن سبقه، أنظمةً وأفكاراً وأشخاصاً وأحزاباً وتياراتٍ، وأعدم عشراتِ المئات من معارضيه وخصومه، ومن أنصاره ومؤيديه على حد سواء!!
وفيما كان حزب البعث الحاكم، يواصل اجتثاث الأعداء والأصدقاء معاً، حصل في نيسان عام 2003، ما كان متوقعاً حصوله، فقد تهاوى عرش الحزب الواحد، وإنبثقت مئات الأحزاب والكتل والتيارات من دون حساب، وإزدهر الوطن بأهازيج الشفافية والحرية والديمقراطية، وأخذته مباهجُ مجلسِ الحكمِ والحكوماتِ المحلية، وإنشغل انشغالاً عظيماً باجتثاث البعث، إسماً ولفظاً ومنتسبين وأعضاء وفكراً وتاريخاً، مثلما إنشغلتْ مكوناته الدينية والمذهبية والقوية، وتشكيلاته السياسية، بالأصابع البنفسجية التي تقود الى كرسي الحكم، الذي بات قضية الوطن الأولى التي لا تعلوها قضية، ولم يعرْ بالاً، ولم ينتبه، ولم يلتفتْ إلى الحفرة التي اتسعتْ وإتسعتْ حتى باتت مضرب المثل (حفرة الدغارة)، ودفعتِ الناس الى البحثِ عن مدينة أخرى تصلح للسكن..!!