حفلة عراقية أخرى..!!

461

جمعة اللامي/

من للغريبِ هَفَتْ به الفِكَرُ

لا العين تؤنسُهُ، ولا الأثرُ

(ابن سناء الملك)

قبل أن أصل الى الفندق الفخم بدبي، الذي شهد الأمسية الشعرية التي أقامها (مجلس العمل العراقي) للصديق العزيز مظفر النواب، والباحث سعدي الحديثي، والفنان علي حسن، هبطت عليّ مقولة “ماركيز الكولومبي”: لن أكون كاتب “ربطة عنق” بل لن أستعمل “الربطة” حتى في الحياة العادية!

وبعدما دخلت الى صالة الحفل –وهذه حكاية لها مجال آخر- كنت الوحيد الذي بلا “ربطة عنق”، وكان الخدم الذين يقومون على خدمة المدعوين يرتدون أردية سوداً رسمية، بقفازات بيض، و”فراشة” عند أسفل ذقن كل واحد منهم.

وكانت صالة الفندق أنيقة حقاً، وجميلة بطاولاتها التي فاقت الـ(50) طاولة، وبشراشفها المعطرة، وأقداح الماء، وكان المدعوون –بعدما جلسوا إلى طاولاتهم- قد انتبهوا الى أنفسهم، كل طاولة معنية بقوسها الدائري، ولم أر طاولة تستدير نحو أخرى: أناقة مفرطة جداً.

مرّ أحد الإعلاميين بالقرب مني، لم أره في آخر أمسية أحياها مظفر النواب في شهر شباط من سنة 2002، وكأن على رأسه الطير. ناديته:

– يا فلان، تفضل!

بحلق فيّ، ثم ابتعد خطوتين ليقول لي:

– “اعذرني لم أرك، واعذرني لأني لم أرك في الحفلة السابقة، لأنني خفت في حينها، ولم أحضرها”.

وفي أعقاب عدد من قصائد النواب القديمة، خطر لي لن أنهض من مكاني، كما كنت أفعل ذلك في “سجن الحلة المركزي” وأقول لمظفر: خلّنا نسمع “حسن الشموس”؟ لكنني هذه المرة –”حافظ لى كرسيك، ولا تغادر مجلسك، لئلا يضيع الكرسي منك”.

واستمر مظفر النواب يلقي شعره الأثير الى النفوس، والجمهور يتفاعل معه، أو يصفق البعض حين لا يستحب التصفيق، ثم ضجت القاعة بالتصفيق، حين قرأ النواب قصيدة “البراءة” المعروفة.

وتعالى التصفيق حين قرأ النواب موجزاً لقصيدة “القدس عروس عروبتكم”، بعدها ابتدأ الحفل يلتفت الى أطباق الطعام والغناء العراقي التراثي، وسمعت أحد الاصدقاء يقول: “حققت الحفلة أهدافها كلها”، فهززت رأسي.

غادرت الفندق الفخم، “غريب المتروك” و”صويحب” و”حمد” و”حسن الشموس” و”هندال” وناس “هور الغموكة” و”سيد محمد” و”كرير” و”خالد الأمين” ولفيفاً من الأموات، والمتروك يهتف:

– “يردس حيل اللي ما ضايكها.”