حكاية قبل النوم

186

عامر بدر حسون /

رغم كثرة الشهود ووضوح الفعل، فإن ما حصل في لقاء الزعيم عبد الكريم قاسم بالعقيد عبد السلام عارف بقي غامضاً.
وفحوى القضية أن أبرز قائدين في القضاء على النظام الملكي في العراق يوم 14 تموز عام 1958 اختلفا بعد أسابيع قليلة جداً من نجاحهما، ووصل الخلاف ذروته الدرامية عندما سحب عبد السلام عارف مسدساً من جيبه على عبد الكريم قاسم!
ومثل الأفلام التي تصوِّر دراما الأقدار الملغّزة، التفت قاسم فجأة وشاهد المسدس فهجم عليه بمساعدة ضابط آخر وأخذا المسدس منه، وتجمع كل الضباط ليشهدوا على ذلك الفصل المثير.
قال قاسم:
لماذا تريد قتلي؟ فبكى عبد السلام وقال: بل أردت أن أنتحر!
فيرد قاسم: ولماذا لم تنتحر في بيتك؟
***
ولهذا المشهد بداية ونهاية: فبعد نجاح “الضباط الأحرار” في القضاء على الحكم الملكي انطلق قاسم وعارف في إلقاء الخطب الجماهيرية.
(كان قاسم رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة ووزيراً للدفاع، وعارف نائباً للقائد العام للقوات المسلحة ووزيراً للداخلية).
والثورة، كما يبدو، مثل الزوجة لا تقبل القسمة على اثنين، فصارت خطبهما تسير باتجاهين مختلفين تماماً:
عارف يدعو للوحدة الفورية الاندماجية مع مصر، وقاسم يركز على القضايا الداخلية.. وانقسم الشارع بين الرجلين بشكل حاد وتصاعد العنف الأهوج بين المؤيدين والمعارضين.
وتدارُكاً لما يمكن أن يحصل تقرر إبعاد عارف إلى الخارج بتعيينه سفيراً في ألمانيا.. لكنه رفض هذا التعيين.. وفي هذا الجو ظهر المسدس!
***
ودون حسم ما إذا كان المسدس للقتل أو الانتحار، وافق عبد السلام عارف على السفر على أن تتم إعادته قريباً ريثما تهدأ الأوضاع في الشارع.
فهل انتهت القصة عند هذا الحد؟
***
بعد أيام قليلة شاعت في بغداد إشاعات صاخبة تقول إن عارف سيعود فجأة وإنه سيقوم بانقلاب آخر ويعلن الوحدة الفورية مع مصر.. وهو ما حصل بالفعل!
فقد عاد بشكل مفاجئ إلى بغداد وتم إلقاء القبض عليه وإحالته إلى المحكمة بتهمة محاولة قتل الزعيم عبد الكريم قاسم!
وشهدت المحكمة فصولاً مثيرة من القضية، فكل قادة الانقلاب أتوا للشهادة بما رأوه وسمعوه من محاولة القتل، وكان دفاع عارف أنه كان في حالة هستيرية وأراد الانتحار.. وعلى هذا تم الحكم عليه بالإعدام، وطويت صفحات القضية ولكن إلى حين.
فقد أصدر قاسم قراراً بإعفائه من الإعدام ثم أخرجه من السجن إلى الإقامة في بيته، وما هي إلا أشهر حتى حصل انقلاب 8 شباط 1963البعثي وأصبح عارف رئيساً للجمهورية ووقف أمام عبد الكريم قاسم وأصدر الحكم بإعدامه فوراً دون محاكمة!
***
أردت من رواية هذه القصة الإشارة إلى أن الانقلابات العسكرية انتهت عبر التاريخ البشري إلى خلاف المنتصرين وفتكهم ببعضهم، ومن ثم جر شعوبهم إلى خلافاتهم وسفك الدم فيها حتى بعد مقتل هؤلاء القادة.. والقضية هنا ليست أن هذا آدمي وذاك “مو خوش” بل أن ثمة ما يشبه القانون الذي يطبق نفسه وأحكامه على الثوار والانقلابيين!
وكل البلدان العربية التي شهدت انقلابات تكررت فيها الخلافات وسفك الدم وأصبح مصير البلاد في كف عفاريت مسلحة!
وهي حكاية لن تضر قراءتها من يطالبون اليوم بالانقلاب او بحاكم عسكري للعراق!