حكاية لوحة

44

حسن العاني  /

جواد السالم- بشهادة الجميع قبل شهادتي- رجلٌ نادر التكوين، فهو أودعُ من حمامة سلام، وإنسان رومانسي حالم، يحب وطنه وأسرته وأصدقاءه ويعشق الجمال، لذلك لم تجد متاعب السياسة والآيديولوجيات والأحزاب منفذاً إلى حياته، ولم يكلف نفسه مشقة البحث عنها!!
عالم الفن عامة، والرسم خاصة، هو همّه الوحيد، لا تشغل باله غير اللوحة والفرشاة واللون، يمضي نهاره وليله وهو منصرف إلى مرسمه وإلى عشرات المصادر التي تبحث في تاريخ هذا الفن ومدارسه وتجاربه ورموزه، حتى عاب عليه المقربون هذا التطرف في الانزواء.. فلا مقهى ولا سفرة ولا جلسة نادٍ ولا مغامرات عاطفية. لكن السالم كان راضياً عن نفسه، ونجح في إنجاز أعمال كثيرة تستحق التوقف، وأقام غير معرضٍ شخصي في داخل العراق وخاجه نالت من استحسان النقاد، ما يصبو إليه أي فنان..
في عام 1998، وبعد إلحاح وضغط شديدين، ظهر السالم في أول لقاء تلفازي على قناة الشباب، وكان مقدم البرنامج قد أعدّ مجموعة من الأسئلة في مقدمتها: “ما لونك المفضل؟”، ردّ عليه رداً ظريفاً: “الأمر يتوقف على لون الثوب الذي ترتديه حبيبتي،” إلا أن المقدم لم يقتنع: “ليس هذا هو الرد المطلوب، أنا أسأل حقاً عن اللون الذي تميل إليه في لوحاتك..) سكت قليلاً قبل أن يردّ عليه: ” في الحقيقة.. اللون البنفسجي.” وتحدث طويلاً عن خصائص هذا اللون ودلالاته النفسية، وأنه بطبيعته قريب من ألوان عدة غامقة كالأحمر والأزرق والأسود غير النقي، وهذه وجهة نظر خاصة، على حد تعبيره. وحتى إذا انتهى من إجابته سأله المقدم مازحاً: “هل لأغنية الفنان ياس خضر التي تحمل اسم (البنفسج) -وهي كما تعرف من كلمات الشاعر الكبير مظفر النواب- تأثير بهذا القدر أو ذاك على انحيازك إلى هذا اللون!؟” أجابه بعفوية وصدق: “سيدي الكريم، ثق أنني لم أسمع هذه الأغنية، بل لم أسمع بها، مع عظيم احترامي للشاعر والمطرب، فأنا لست من متابعي الأغاني، وبالذات العراقية، لأنها تثير الحزن والكآبة، وعلى العموم تستهويني الموسيقى الأجنبية!!”
انتهى اللقاء، وعاد السالم إلى منزله، وقرابة الفجر تم اقتياده إلى مديرية الأمن، وانهالت عليه الأسئلة والعصي واللكمات، وطلبوا منه اعترافاً خطياً عن أسباب اختياره هذا اللون، وعن علاقته بالحزب الشيوعي، ومن هو مسؤوله الحزبي، وما اسمه الحركي، ولم يغادر التوقيف بوساطة أحد أقاربه المتنفذين إلا بعد (6 أسابيع) تحول فيها ظهره وجسده إلى كتلة بنفسجية، ومن يومها اختفى هذا اللون من لوحاته!!
درسٌ بالغ المرارة أورثه عقدة خوفٍ من اللون البنفسجي، وانصرف من جديد إلى عزلته ومرسمه.. أنجز الكثير من اللوحات، وشارك في أربعة معارض وأصبح اسمه علامة فنية بارزة.. مضت أعوام عدة، وبعد إلحاح وضغط شديدين، وافق على الظهور في إحدى (الفضائيات) العراقية، سأله مقدم البرنامج عن لونه المفضل فأجاب: “كل فن ينحاز أحياناً في اللاوعي إلى لون معين، ولكن في الإطار العام لا يتبنى الفنان لوناً بعينه لأن لكل لون وظيفة.” وسأله المقدم وكأنه عثر على نقطة ضعف يحرج بها الفنان: “إذن لماذا أبقيت البنفسجي من دون وظيفة وأحلته إلى التقاعد في لوحاتك!؟” أجابه على الفور: “أكره هذا اللون.” ولم يذكر له حكاية أغنية البنفسج ويتاجر، كما يفعل غيره بأيام التوقيف، تساءل المقدم بخبث: “ولكن ماذا عن ثورة الإصبع البنفسجي!؟” ردّ عليه مرتبكاً: “هذا شيء وهذا شيء، أرجوك لا تخلط الفن بالسياسة!!”
انتهى اللقاء، وقبل أن يصل السالم إلى منزله، تم اقتياده معصوب العينين إلى جهة مجهولة، وانهالت عليه الأسئلة عن موقفه من العملية السياسية وعلاقاته بالنظام الدكتاتوري المخلوع، وهل يعمل على تنفيذ أجندة معينة.. ولم يغادر التوقيف بفضل أحد أقاربه المتنفذين، الذي عانى الأمرّين، في العثور على مكان احتجازه إلا بعد (6 أشهر) تحولت فيها عيناه إلى كتلة بنفسجية، ومن يومها توقف عن الرسم واعتزل الفن…