خدمة شهر بمرتّب تقاعدي!

81

يوسف المحمداوي /

خطب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور يوماً فقال:” أيها الناس ينبغي لكم أن تحمدوا الله تعالى على ما وهبكم فيّ، فإني منذ وليت عليكم صرف الله عنكم الطاعون، فقام له أعرابي قائلا: إن الله أكرم من أن يجمعك علينا أنت والطاعون”، واليوم لسان حال المواطن العراقي يتمثّل بردّ الاعرابي، قائلا: “حاشا لله أن يجمع المصيبتين علينا، ولكن الفساد فعل”، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن ما يحدث من وضع اقتصادي ومالي في البلاد هو نتيجة تراكم سياسات خاطئة قادتها عصابات الفساد التي تحكمت بموازنات الدولة منذ التغيير إلى يومنا هذا، ولا أحمّل الحكومة الحالية أو المجلس النيابي نتيجة ما وصلنا اليه، بل أحملهما الذنب اذا مسّا وتلاعبا بمرتبات الموظفين، لأنَّ الحل في القضاء على الفساد وهو واضح ومعروف لديهم، ولبرهان قولي اطّلعت على العديد من التجارب البرلمانية ومنها البرلمان الفرنسي الذي ساتخذه كتجربة تشريعية منصفة لمقارنتها بتجربة برلماننا.
تنتخب الجمعية الوطنية الفرنسية لمدة خمس سنوات بالاقتراع العام المباشر، ويتقاضى كل نائب في الجمعية الوطنية مكافأة شهرية طيلة مدة خدمته، وتنتهي مع نهاية خدمته ليعود عمله السابق كطبيب أو معلم، ولا يحقّ له أي مرتب تقاعدي الا في حالة واحدة، وهي أن يتم انتخابه أربع دورات متتالية يكون فيها أكمل عشرين عاما في الخدمة، والنظام الداخلي لمجلسنا النيابي يقر بأن من حق عضو البرلمان تسلّم مكافأة شهرية شأنه شأن برلمانات العالم؛ تنتهي بنهاية خدمته، فكيف بني مرتب تقاعدي على مكافأة!؟ وهنا أسأل وزارة المالية ولجان النزاهة والمالية والقانونية النيابية، بأي قانون لدولة في العالم يصرف مرتب لمن خدم الدولة لمدة شهر!؟، كما حدث في مرتبات أعضاء مجلس الحكم التقاعدية؟، ولتقاعد أعضاء الجمعية الوطنية الذين خدموا الدولة لمدة (6 أشهر فقط)؟!، ناهيك عن المرتبات التقاعدية للرئاسات الثلاث وخدمتها لا تتجاوز الأربعة أعوام!، بل إن رئيس الجمهورية الأول خدمته ستة شهور وإلى الآن ينعم بمرتبه بدولة أخرى!، ورئيس وزراء أسبق خدمته (6 أشهر) وآخر لم يتجاوز العام ليشملا بهذه النعمة، ناهيك عن مرتبات الدرجات الخاصة والوزراء والمستشارين ونثريات الوزارات العاطلة عن العمل ومرتبات جيوش الحمايات، وووووو، إلى قوائم طويلة عريضة لمنابع الفساد ستجدون فيها مبالغ تساوي الموازنة الحالية وهي غير قانونية يجب أن يطالها الحساب والعقاب إن كنتم صادقين، لتسدوا بتلك المليارات العجز المالي، بدلا من المساس بمرتب موظف أفنى عمره في عمله الحلال، ليحتار في نهاية الشهر بكيفية توزيع مرتبه بين الإيجار والمولد والانترنت وملابس أولاده وتكاليف دراستهم وطعامهم الذي غابت عنه الحصة التموينية منذ وليتم علينا، والآن وبعد أن رفع سعر الدولار وهبطت قيمة الدينار لترتفع الأسعار، يخرج علينا وزير المالية بموازنة تستقطع من مرتباتنا، قوت أولادنا، فهل يلوم الموظف أحد إن ردّ عليه كما ردّ الاعرابي على المنصور؟