خُططُ الكبار

47

جمعة اللامي /

بعد ثورة 14 تموز 1958 بسنة واحدة، تعرفتُ الى صاحب مكتبة كان يروم الانتقال إلى العاصمة، فعرض علينا، نحن الفتية حينذاك، بعضاً من مقتنياته لشرائها، بينها كتب لبعض فلاسفة ألمانيا كان “يوهان غوتليب فيخته” أحدهم.

“ألا إن كل شيء شاءه الله، رائع..
لأنه سبحانه هو الخير الأعظم،
وهكذا تنام كل الطيور في أوكارها الصغيرة والكبيرة”
(جوته – ليلة صيف)

رفعت خشمي حتى الثريّا، وقلت: ذاك لي، لكن الرجل الطيب نظر إليّ نظرة مُشفق، وقال: يا ابن أخي، هذا لا يفيدك أبداً.
بعد ذلك بنحو عشر سنوات، حين نسجت الأقدار بيني وبين الشبان صحبة أدبية وثقافية، وجدت عذراً لذلك الرجل، فلقد كان فيخته يطرح أفكاره الفلسفية من دون أسلوب راق. وهو ما انتبه إليه الشاعر الألماني “فردريك تشيلر”، الذي أسس مجلة قبيل نهاية القرن الثامن عشر بقليل، حتى أنه رد لفيخته مقالة معتذراً عن عدم نشرها في مجلته التي انضم إلى هيئة تحريرها الشاعر “غوته”!
في تلك السنة أيضاً وقعت بين أيدينا مجموعة من الرسائل المتبادلة بين عملاقي ألمانيا: تشيلر وغوته، اللذين كانا رمزين لوطنهما في الأزمات المفصلية، سواء في تباغضهما وتعاديهما، أو توادّهما وتحابّهما، وسواء كانا في ألمانيا أو خارجها.
هذان عملاقان إن قاما وإن قعدا
كان تشيلر يرى أن دور السياسة، بدايته بعد أن يتشرّب الناس الفنون الرفيعة، بينما كان غوته يهرب من الوزارة في ولاية “فايمار” ويسافر إلى إيطاليا، باحثاً ومعايناً الكنوز والعقول والإشارات، وليتمّ تأملاته الفريدة حول الشرق أيضاً. وكان الأول قد انبهر بـرواية “آلام الشاب فارتر” التي دفعت بكثير من الشباب الاوروبي إلى انتحارات جماعية. ومن المصادفة الغريبة أن يلتقي تشيلر بصاحبه غوته، وهو في نهايات العقد الخامس من عمره، حين كانت الأقدار تعّده من أجل الانتقال إلى دار البقاء. فكأنّ ألطاف الله جمعت بين اللدودين السابقين في صحبة جديدة ستكون، لاحقاً، إحدى مفاخر ألمانيا، إذا لم نقل الإنسانية طرّاً. كان تشيلر يعرف إلى أين يقوده مرضه المعوي المُزمن. لكنه ما إن التقى غوته في 20 تموز 1799، حتى تمسك بالحياة أكثر من ذي قبل. فلقد سارا على قدميهما، بعد أن التقيا في محاضرة، مسافة طويلة، جعلها الفهم المشترك للفكر والفن والعمل، قصيرة. وتدرجت صداقتهما صعوداً، تقفز قفزاً، فكتب تشيلر إلى غوته في عيد ميلاده الخامس والأربعين رسالة رائعة، تريكُ كيف يحترم الصديق الشاعر صديقه الشاعر: “كنتُ أفتقر إلى الموضوع، إلى الجِسم اللازم لكثير من الأفكار التأملية، ولقد وهبتني السبيل إليها.” وردّ غوته على تشيلر برسالة جوابية، هذا مجتزأ منها: “لا يمكن أن أحصل في عيد ميلادي الذي يحلّ هذا الأسبوع على هدية أعظم من خطابك، الذي وصفت فيه، بيد الودّ والصداقة، جوهر حياتي.” ويكتب تشيلر إلى غوته مجاوباً: “لقد كانت حاجتي واشتياقي إلى الاتصال بك اتصالاً وثيقاً، شديدة دوماً. ولكنني أفهم الآن كل الفهم، أن الطريقين المختلفين أشدَ الاختلاف، اللذين سرنا عليهما أنت وأنا، لم يكونا ليبلغا بنا التلاقي المفيد، إلا الآن وليس قبل الآن. وأنني لأتمنى أن نسير مشتركين ما بقي لنا من الطريق، طال أم قصر، وأن نحقق الفائدة، أكبر الفائدة. فإن آخر رفاق السفر هم الذين يكون لديهم أكثر ما يقولونه بعد رحلة طويلة.” وأقام تشيلر زمناً بمنزل صديقه الأثير في “فايمار”، وهو يعتذر له من مرضه وفوضاه، بينما كان غوته، على ما عليه من مقام، يرى في تشيلر إضافة نوعية خاصة به. وهكذا يكبر الكبار!