داعش والفساد!

264

حسن العاني/

القول بأن عصابات داعش الارهابية، هي أخطر التحديات التي واجهت العراق بعد الاحتلال، يستند الى جملة معطيات، في مقدمتها (حجم) الحرب التي أمدت الى مساحات شاسعة فوق الأراضي العراقية، و(نوعها) القائم على صراع مع عدو يجهل قوانين الحروب وأعرافها، ولا يؤمن بأي نوع من الأخلاقيات الدينية أو الانسانية، في التعامل مع المدنيين كحد أدنى، ولذلك لم تقتصر ضحايا هذه العصابات، على ما تعرض له السكان الآمنون من عمليات قتل و(ذبح) وتعذيب واستعباد، بل وصل الأمر الى استباحة النساء وتوظيف الأطفال في جرائم بشعة، بل إمتدت الى تخريب اي شيء، وكل شيء، إبتداء بالبنى التحتية، وإنتهاء بمعالم المدن وآثارها.

هذا التوصيف المختصر لا غبار عليه، وينبع من إحساس عميق بالفجيعة، ومع ذلك فثمة ملاحظة كبيرة على هذا القول، لا تعترض على مضامينه ولكنها تصحح مكانه على خارطة التحديات، لأن الفساد المالي هو من يحتل المرتبة الأولى، ويمثل التحدي الأكبر والأخطر، الى الحد الذي لا نجانبُ الصواب، إذا ما قررنا، إنه أخطر من داعش بمراحل، لأن واحدةً من انعكاساته السلبية على حياة الناس المعاشية، أدت الى انحياز الجائع مكرها الى الخصم، ليس خوفاً، بل حاجة قبل ذلك الى بضعة دولارات، من دون أن يدرك الى أي منزلق يتقدم، والى أية هاوية سحيقة تقوده قدماه..

لعل المقارنة الموضوعية تقودنا في النهاية الى الاقتناع، بأن هذه العصابة، كلما تمادت في جرائمها، وعمدت الى مزيد من الأذى، كلما أدى ذلك الى مزيد من التوحد العراقي، والتلاحم بين مكوناته العرقية والدينية والمذهبية، وهو ما عجزت أنواع الصلوات المشتركة عن انجازه، في حين كلما ارتفعت مناسيب الفساد المالي، قاد ذلك الى خلق شرخ اقتصادي موجع، ذي سمة طبقية، ولن يطول سكوت الناس حتى ينفد صبرها وتنفجر، أما الأدهى والأمر، فهو إن استمرار الفساد ونموهوانتشاره السرطاني، أدى وسيؤدي الى انهيارات مرعبة في المنظومة القيمية للمجتمع، والى تفشي المحسوبية والرشوة والتزوير بين حلقات الدولة الوظيفية من دون استثناء، وعبارة (من دون استثناء) تعبر عن حجم الكارثة، فحين تصل مظاهر الغش والرشوة والاحتيال الى المؤسسة التربوية والتعليمية مثلاً، والقضائية والعسكرية، فانه خطر دونه مخاطر داعش..

وما دمنا من مجال المقارنة، فان هذه العصابات اللقيطة، مهما حاولت الظهور بمظهر القوي، فانها تفتقر عملياً الى أسباب القوة، لأنها تقاتل على أرض غريبة عليها، ولا تستند الى أي حق شرعي، أو قانوني لعملياتها العسكرية، وليس لها رصيد في الشارع، وقبل ذلك لخوائها الفكري والعقائدي، والفشل الذريع لشعاراتها الاسلامية البراقة، بعد ان أثبتت هي نفسها، عبر سلوكها الميداني، انها في الموقع الأبعد عن أي دين، من دون اغفال ما عمدت اليه من جرائم بشعة ضد المواطنين في محاولة لاظهار القوة، وتخويف (الآخر)، وقد فوّتَ عليها غباؤها، بأن اللجوء الى أقسى وسائل البطش والعنف والوحشية، هو دليل أكيد على الضعف والخور الداخلي والشعور بالهزيمة، وربما كان رأس الأدلة على كذبة القوة الداعشية، هو إنهيارها السريع أمام تقدم القوات العراقية البطلة، التي أذلّتْ عقيدتها الاجرامية، ولحاها العفنة وقوتها المزعومة، ومن هنا، فان الوجود الداعشي هو وجود مؤقت، لا مخاوف منه على تخريب البناء النفسي أو العقلي أو الثقافي للمواطنين، كما إن هذه العصابة تمثل عدواً مكشوفاً ومعروفاً وماثلاً للعيان، وهكذا تتجسم بالمقابل، المخاطر الأعظم للفساد، فهو خصم خفي، وعدو له مئة صورة وهيأة، ويقف وراء الخراب الذي أصاب ويصيب بنية العراق الاقتصادية والمجتمعية والتربوية والأخلاقية، ومواجهته أصعب من مواجهة داعش، لأنه من أهل الدار، ولأن بعض رؤوسه متنفذة، وتتولى مراكز القرار والقيادة.. و.. ولكن الأمر الذي يدوخني هو: لماذا نفكر كل يوم خمس مرات في مستقبل نينوى بعد تحريرها من داعش، ولم نفكر يوماً واحداً في مستقبل العراق بعد تحريره من الفساد؟ هل في النيّةِ بقاء الفساد الى آخر يوم من أعمارنا التي قصّرها المفسدون، قصّر الله أعمارهم؟!!