دعم الأدب التركماني

193

نرمين المفتي /

عندما أهداني الشاعر والكاتب التركماني الراحل (عبد العزير سمين البياتي) نسخة من ديوانه الأخير (من أعماق الجرح العراقي) الذي كتب قصائده باللغة العربية، لم اتوقع أنَّه كان ينتظر أن أنشر رأيي به، فأنا لست بناقدة ولا أجرؤ على النقد وإن كنت قد درسته لفصل دراسي واحد أثناء دراستي الجامعية الأولية. مؤخراً وبعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على وفاته، أبلغني ابنه، الصديق المهندس سامي بأنَّ والده كان يتمنّى أن يقرأ مقالا لي بالذات عن ديوانه لسبب مهم أنَّه عن جرح سبق لي وإن كتبت عنه كثيراً، جرح العراق خاصة وبغداد عامة، التي كان يصفها، كما أفعل أنا بـ(بغدادنا)، مع الفارق فأنا أعيش في بغداد بينما كان الراحل البياتي يفتقد العيش بها وهو المستقر في كركوك. ولأجل أمنيته تلك، أعدت قراءة الديوان، هذه المرة، بعين تريد أن تكتب عنه.
أهدى الشاعر الراحل قصائده التي يصفها بنبضات مهجته وومضات عشقه إلى (عراقي الغالي، يا درة الأوطان، ومنبت الحضارات، يا سِفر جل الملاحم الخالدات)..هو يبحث عن السِلم ولكن “وإذ دنا الكاهن من مهده/ وجد السلم، سلمين خديجين/ سِلما ناقص ال (لام)/ وسِلما فاقد ال (ميم)”.. فإذن لا سلم يستطيع أن يلمسه، فهو إما سم أو سل، وبهكذا خشية مما حوله كعراقي ومما يجري في العالم من ظلم فهو يصدق “لو أنبأتني شهرزاد أن ذبابة زأرت/ وبومة غردت” والعراف أبلغه “إن سميكة ثورا بلعت”..ويحرقه حنينه إلى بغداد ويتخيل نفسه في قارب والبلام يغني له “على شواطئ دجلة مر/ يا منيتي وكت الفجر” لكنَّه بعيد عن بغداد ودجلتها التي يحييها عن بعد ويسكت لوهلة علّه يسمع جوابها على تحيته..
على مدى عقود، كتب البياتي قصائده ومقالاته بالتركمانية والعربية وهو مثله مثل غالبية وربما جميع الشعراء والادباء التركمان الذين حتى إن كتبوا باللغة العربية فهم غير معروفين في بغداد أو في العراق، وبينهم مثل الراحل الكبير عطا ترزي باشي الذي مُنِحَ العديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من الدول الناطقة بالتركية لإنجازاته الفذة ومثل الشاعر الراحل الكبير (علي معروف اوغلو) الذي أعيد طبع دواوينه في هذه الدول ولم يلتفت اليهما ناقد أو مترجم.. ومؤخرا، شكّل الدكتور حسن ناظم، وزير الثقافة، لجنة برئاسته لدعم الأدب التركماني ستقوم بالتعريف بهذا الأدب وترجمته إلى العربية، وستكون باكورة أعمالها ترجمة (ليلى والمجنون) رائعة الشاعر التركماني الخالد (فضولي البغدادي – المتوفى في ١٥٥٦) والمدفون في كربلاء المقدسة وكان يكتب الشعر كدأب شعراء عصره بالتركية والعربية والفارسية، وبفخر أشير إلى أن (سليمان بيك مفتي زادة) القاضي والشاعر وهو جد والدي (رحمهما الله) كان قد ترجم ديوانه (أجمل عشق) من الفارسية إلى التركمانية. نتمنى النجاح لهذه اللجنة في مهمتها وهي ليست سهلة ولكنَّها خطوة تحسب لوزارة الثقافة.