دولاب العيد!

72

#خليك_بالبيت

حسن العاني /

صحيح إن “أضحى” اليوم هو غير اضحى سبعين سنة مضت، وليس عيدُ الحاضر شبيهاً بعيد الامس البعيد، كل شيء . في حياتنا العامة والخاصة خضع لمنطق التغير والتطور، ومع ذلك فنكهة العيدينِ حافظت على مذاقها اللذيذ وعلى مسراتها الطفولية في عيون صبيان وصبايا ينتظرون هلال الفطر وهلال الاضحى بصبر يبلغ حد اللوعة…
يالذاكرتي اللعينة التي لم تنهرها شيبةٌ ولم تردعها رحلة العمر المضنية وهي تعبر من المصائب حمل بعير فلا يحلو لها الوقوف والتوقف الا عند اطلالة احد الهلالين كلما اقتربت ايامه واطل صباحه… كنت يومها ابن الثامنة، قد ازيد عاماً او انقص عاماً، أترقب بلهفة عاشق انتهاء اسرتي من فطورها الصباحي كي اقبض (عيديتي) متمثلة بذلك المبلغ الاستثنائي من العملة المعدنية المتواضعة، ومع ذلك فهو مبلغ لايحالفني الحظ في الحصول عليه الا مرتين في السنة… فهل لهذا السبب الطفولي العذب ما زلت اعشق الهلالين؟!
انها كرخ بغداد مابين الرحمانية والجعيفر، وانها ثلاثة دراهم (150 فلساً) تعادل بالتمام والكمال ما اتقاضاه من (يوميات) طول خمسة عشر يوماً، وفي ذلك العام الكرخي الذي بلغت فيه سن الثمانية على ارجح التقديرات، سمحت لي امي بالذهاب الى العيد (كانت هي من تسمح او لاتسمح، وهي من تعطيني العيدية و.. ولهذا طالما احببتها اكثر من ابي) وكانت الترجمة الحرفية للعيد في تلك الايام على النحو التالي: ساحة ترابية قريبة من مقبرة الشيخ معروف، تقوم عليها مئات البسطيات والعربات الخاصة بانواع المعروضات التي لاتخضع لادنى شروط الرقابة الصحية، ليس ابتداء بالبيض والعنبة والشامية الحمراء والمكاوية واصابع العروس والمصاص والبادم وفستق العبيد، وليس انتهاء باقداح اللبن وانواع العصائر… هذا غير الفرارات والبالونات الملونة والطيارات الورقية و…وما يخطر على البال ولايخطر من الكيك والجرك والمعجنات المنزلية.
في تلك الفسحة الأرضية الواسعة التي تدعى (الجوبه) والتي لايسورها سياج وتغطي أجواءها أطنان الغبار والأتربة الصادرة عن عبث الصغار.. هناك ثمة شباب يضحكون على الأطفال ويفرغون جيوبهم من الدراهم والعيديات عبر أنواع شائعة يومها من العاب القمار مثل ( اللكو والسي ورق أو الثلاث ورقات والحظ يانصيب ..الخ) !!
كانت موافقة والدتي على ذهابي الى العيد (الجوبه) مقرونة بابناء خالتي الذين يكبرونني بخمس سنوات أو ست، هم الذين يأخذونني من يدي ويتحملون مسؤولية الحفاظ علي واعادتي سالماً الى البيت وكانت رحمها الله توصيهم وتعيد وصيتها ان يأخذوا بالهم من الولد ويضعوه في عيونهم فهو صغير… ولاشيء ابهر الولد الصغير وغلب عقله حباً مثل احصنة الجوبة الدوارة والاراجيح المصنوعة من جذوع النخيل، ودواليب الهواء الخشبية التي لايصل ارتفاعها الى ثلث الدواليب الحديثة، ولاتحمل من (الركاب) الا اقل من عُشر الركاب التي تحملها دواليب اليوم!!
لم تنصرف عينا الولد الصغير الى مغريات الساحة الترابية، ولم يشته روحه شيئاً من طعام او شراب او عصير او لبن، ولم توسوس له نفسه الى شيء من فاكهة او حلوى، فقد توقفت مشاعره عند الالعاب التي صادرت رغباته جميعها، ومن بين عشرات العاب لم تستهوه غير لعبة الدولاب (دولاب الهواء)…ان عالماً غريباً ومخيفاً في الوقت نفسه، تقدمه تلك الكراسي او المقاعد الخشبية التي تصعد بالصغار الى عنان السماء (كما كان يتصور المشهد) ثم تهبط بهم الى اقرب نقطة من الارض!!
كان الولد، ياعيني على الولد، مرعوباً من اللعبة ولكنه مسحور بها وانتصر السحر على الرعب..بعد سبعين سنة مازلت اذكر جيداً… تقدمني خوفي الى صاحب الدولاب واعطيته (10 فلوس) اجرة الركوب واخذت مكاني على الكرسي – لا اذكر اين ذهب ابناء خالتي وما الذي شغلهم عني – وبدأ الرجل يدير الدولاب بيديه، وماهي الا لحظة خفق قلبي معها انتشاء حتى بلغت القمة… كل شيء من حولي، الناس والباعة والاطفال وشوارب الرجال وعربات الدوندرمه وباعة بيض اللقلق..يبدو من قمتي صغيراً متقزماً ودون مستوى النظر!!
كنت مغموراً بالسعادة لانهم في الاسفل وانا في الاعلى… وماهي الا لحظة حتى هبط الدولاب سريعاً، وهبط قلبي معه، شعرت بانني اصبحت واحداً منهم، لست اعلى ولا افضل من صاحب الدولاب وباعة قمر الدين… وحين انتهت اللعبة وغادر الصغار مقاعدهم، رفضت النزول وتمسكت بمقعدي واعطيت الرجل (10 فلوس) جديدة… وهكذا واصلت اللعبة (15) مرة وانفقت اخر فلس في جيبي، ولو كنت امتلك خزائن الارض لصرفتها على الدولاب واوقفته عن الدوران وانا في القمة، فليس اعظم من ان تكون فوق مستوى النظر !!