“دون كيخوته” حالمٌ أم مناضل؟

193

عبد الله صخي/

«دون كيخوته» أو «دون كيشوت» هو بطل رواية الإسباني ميغيل سرفانتس التي حقق فيها شهرة منقطعة النظير منذ أن صدرت عام 1605.
خضعت شخصية دون كيخوته لتفسيرات بدت بلا نهاية في جميع أنحاء العالم خاصة بعد وفاة المؤلف. وفي الأدبيات العربية أصبح دون كيخوته مضرباً للمثل باعتباره شخصاً خيالياً واهماً يحارب طواحين الهواء. في إسبانيا يرى الناقد سلفادور دي مدرياجا حالة دون كيخوته بوصفها «حالة خداع ذاتي». ويذهب ناقد آخر إلى أن سرفانتس استوحى شخصية بطله من شخص مجنون في الواقع، وبالتالي فإن كل أفعال وسلوك دون كيخوته تنطلق من تلك الفكرة. غير أن مثل هذا الجنون لم يكن نتيجة مرض عضوي بل هو جنون سبّبته الكتب. يقول لويس ساباتا، كما ينقل عبد الرحمن بدوي أحد مترجمي الرواية، إنه «لا شيء أعجب بين حوادث عصرنا من فارس هادئ جداً، محترم جداً لكنه خرج مجنوناً من القصر بغير سبب»، فهل الكتب تؤدي إلى يقظة الروح أم إلى لوثة عقلية؟ لماذا كل ذلك؟ هل لأن دون كيخوته ارتكب «حماقات وقتل حماراً بطعنات سكين؟»

عاش سرفانتس حياة بائسة متنقلاً بين المهن والخدمة العسكرية والسجون، وأمضى سنوات في الأسر الجزائري. حياته مليئة بالشقاء والاتهامات التي ملأت قلبه بالمرارة. كل هذا دفعه إلى اليأس من الدنيا ومن الإنسان، وراح يتجرع طعم الرماد في كل شيء. لهذا لم يجد أفضل من السخرية يستعين بها على احتمال الحياة، ولم يجد أفضل من الفن القصصي ينتقم فيه لنفسه مما لقيه من ظلم الناس، كما يستنتج عبد الرحمن بدوي. ولهذا هاجم الناس جميعاً بتهكم لاذع، هاجم البلديات وعقليتها الضيقة وأنظمتها الزائفة. أعتقد أن دون كيخوته، في كل ذلك، كان يعرض موقفه من الحياة في عصره وتمثلاتها. إنه ليس شخصاً واهماً يحارب طواحين الهواء ويعشق امرأة مجهولة، بل هو مناضل من أجل العدالة الاجتماعية، من أجل التغيير، ومن أجل الحرية. يقول دون كيخوته لحامل سلاحه سانشو: الحرية يا سانشو إحدى أثمن هبات السماء للناس، لا شيء يوازيها لا الكنوز المخبأة في باطن الأرض ولا الكنوز التي تنطوي عليها أعماق البحار. من أجل الحرية على الإنسان أن يجازف بحياته.