دِيَكَةُ الزمان

271

جمعة اللامي/

“ديكان على مزبلة واحدة .. ويتعاركان”

(مثال شائع)

سمعت صوت ديك الجيران، فغادرت سريري على مَهل، وارتقيتُ سلّم الدار قفزاً، فرأيت فضاء رائقاً في جانب، ومُدلهماً في جانب آخر، فأدركت السرّ في صياح الديك.

وما يزال الديك العراقي صائحاً..!

وهو ينادي؟

وكنت أهوى تربية اثنين: الكلاب والديَكة. اليوم أروي حكاية ديكي الصغير، ديكي «العُربي» كما ندعوه بمحلتنا، نحن الفتية الصغار، حيث تَجري مباراتنا في صراع ديكتنا، من دون أية مراهنة، سوى حبنا للظهور بمظهر الشباب الكبار، رغم أننا لم نتجاوز السنة العاشرة من أعمارنا.
كان عليّ أن أجمع ثمن شرائه فلساً على فلس، ويوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، حتى اكتمل الثمن تماماً، ثم اصطحبت والدتي إلى سوق الدجاج بمدينة العمارة، حيث تخيّرت فَرخَ ديك «عُربي»، وحملته فرحاً مسروراً إلى منزلنا الكبير بمحلة الماجدية.

أخذت أُطعمة من حبوب الشعير والدُخن والرز، وأحمله إلى البستان القريب من منزلنا، وأتركه «يُزَوبل» في مزابل الخضرة الساحرة، حتى اكتمل نضجه بعد أربعة أشهر، ثم أخذ يصيح من الفجر، حتى الظهر، إلى المساء، إلى الفجر، وهكذا. ولأنه هكذا، صار حديث المحلة!

وذات يوم حانت لحظة المهارشة بينه وبين ديك كبير مخضرم، فكانت منازلة شريفة، ربح فيها ديكي، وخسر الديك المخضرم، فقلت لرفاقي : هذه نتيجة أي صراع، لابدَّ من غالب وخاسر!

في تلك الأيام، أخذ ديكي يكثر من صياحه صباحَ مساء، حتى أدركت أنه أصبح ديكاً مخضرماً، وأنه يطلب نزالاً مع ديك شاب جديد على محلتنا، وكان الديك الجديد حاضراً.

وعندما حانت ساعة المنازلة، كان الديك الشاب يصيح بدون أية مناسبة، سوى مناسبة النزال، بين جمهرة من الرجال والنسوة والأطفال، والكل يحاول أن يرى من هو المنتصر!

بعد مهارشة عنيفة، ولكنها قصيرة، كسب الديك الشاب الجولة الأولى والثانية، وخرَّ ديكي المخضرم صريعاً والدم يلطخ ريش رقبته الجميل، بينما كان الديك الشاب «يُعُوعي» بدون أية مناسبة، اللهم سوى فوزه في معركة، تقود إلى معركة، ليست ناجحة بالضرورة.
هكذا حياة الديَكة.

صياح ما بين فجر وفجر

وهزيمة، ونصر، مابين يوم وآخر!