ذرية المراقب

342

حسن العاني /

تختزن ذاكرتنا الطفولية، اسماء بذاتها تمتلك من التميز الجميل ما يجعلها راسخة في قرارة الروح، ربما كان الاستاذ جواد رحمه الله، معلم الرياضة في مدرسة الكرخ الابتدائية، يحتل موقع الصدارة من بينها، ولا بد من التنويه سلفاً الى إنني اتحدث عن النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، فقد كان في ايام الشتاء التي يهطل فيها المطر، يبقينا في الصف، ويحول الدرس الى نوع من الرياضة الذهنية التي تحتاج الى قدر من التأمل والنباهة والتفكير، وذلك عبر مجموعة من الحزورات والالغاز والالعاب المسلية التي تناسب اعمارنا..

مع كل ما يعنيه درس الرياضة لأولاد من عمرنا ينتظرون قدومه بفارغ الصبر، إلا إن عشقنا لتلك (التسالي) جعلنا نتمنى هطول المطر في الشتاء والصيف وعلى مدار السنة، لكي نستمتع بذلك الكوكتيل الظريف من الالغاز والالعاب الذهنية وما يرافقها عادة من أجواء مرحة ومواقف مضحكة، ولعل من أطرف ما علق في ذاكرتي، هي لعبة (البم)، وتقوم على مشاركة مجموعة من التلاميذ عددهم (4) في العادة، ويبدأ السباق بينهم بطريقة ذكر الارقام المتسلسلة، حيث يقول الاول (واحد)، والذي بعده يقول (إثنان)، ثم (ثلاثة)، وعندما يتم الوصول الى الرقم (5)، لا يقول التلميذ (خمسة) وإنما (بم)، وهذه المفردة خالية من أي معنى سوى المتعة، وهي تكرر مع مضاعفات الخمسة، اي إن التلميذ لا يذكر الارقام (10-15-20-25-30….الخ)، بل يذكر بدلاً عنها لفظة (بم)، وغالبا ما كان هذا التلميذ او ذاك، يخطأ ويقول 5 مثلاً أو 20 او 25 او 40 او 65 او 70 …الخ ولا يقول (بم)، وقد يخطئ هذا التلميذ او ذاك بطريقة اخرى فلا يقول مثلاً (7 او 19 او 28 او 46 …الخ) وانما يقول (بم)، وسبب الاخطاء من النوعين هو السرعة في العد، لأنها أحد أهم شروط المسابقة، فالتلميذ البطيء يتم استبعاده من المشاركة ويعود الى كرسيه، وكل من يخطئ يتم استبعاده كذلك ويحل محله تلميذ جديد، والمعلم هو من يشرف على اللعبة ويطبق قانونها، وهكذا يخرج من اللعبة ويدخل اليها باستمرار تلاميذ جدد، بحيث يشارك الجميع، والتلميذ الذي لا يقع في الخطأ ابداً هو الفائز، ويحظى بالتصفيق، ويتولى المعلم رفع يده على غرار ما يجري في الملاكمة، ولم نكن ندري يومها لماذا (نقتل انفسنا) لكي نحصل على المركز الاول ونحقق الفوز، ولا يجني الفائز أكثر من (رفعة) اليد مقابل ذلك التعب والتركيز والجهد الذهني.

يحصل احياناً ان يتغيب أحد المعلمين لظرف خاص، ويبقى الدرس شاغراً، وكان مراقب الصف، ضياء حاتم (ما زلت اذكر اسمه)، وهو تلميذ قدم مع اسرته الى بغداد من ريف الحلة، يتولى دور المعلم، وعادة ما كنا نلعب لعبة (البم)، ولأن ضياء يمتلك صلاحية (المراقب) الواسعة، مع إنه تلميذ مثلنا، فقد كان يشارك باللعبة، ولكنه عندما يخطئ لا يغادر مكانه ويقول بعناد (لو العب .. لو اخرب الملعب)، وهي عبارة شائعة الاستعمال على ايامنا، ولأننا نجد في ذلك اغتصاباً لحقوقنا وتجاوزاً على قانون اللعبة، فقد كان اغلبنا ينسحب من المشاركة، واحياناً جميعنا، وهكذا ثبت لدينا، إن اللعبة تفشل من دون حضور معلمنا، لأنه حكم عادل، وحريص على تطبيق القانون واشراك الجميع!

انا الان اقترب من عامي السبعين، ولي 8 احفاد امتعهم واستمتع معهم بلعبة البم، واتولى دور الحكم الذي يشرف على سيادة القانون، ولكن بمجرد ان أغيب حتى يغيب كل شيء، وتعم الفوضى ويعلو الصراخ، لأن أكبر أحفادي نوري، الذي ادعوه (نوري باشا المحتال) حين يخطئ في العد، لا يغادر مكانه، ويصر على البقاء، ويهدد اشقاءه وابناء عمومته بمنطق القوة (لو العب .. لو اخرب الملعب)، وكأنه من ذرية (المراقب) وليس من ذريتي الصالحة.. وكأن التاريخ يعيد نفسه!