ذو لسان أعوج!

68

جمعة اللامي/

رحم الله الشريف الرضي الهاشمي الذي يعرف عزته بأهله، لكنه لا يرتضي سوى عزةٍ بعمله وأنفةٍ أيضاً. وهكذا هم كبار النفوس – أسعدك الله في أيامك – ينهلون من بئر واحدة، ويسندون رماحهم إن جارت الليالي إلى خاصرة واحدة أيضاً.
“اعلم – أخي- أن النقش هو النقّاشُ”
(فريد الدين العطّار)
وكم شغف كثير من أهل الأدب والفكر بهذا الهاشمي، وكم تشبّه به بعضهم، وكم تمنى بعضهم أن يكون مضموناً في بيت واحد لهذا الأعجوبة:
فما بال بغداد، إذا اشتقت رحلة … تشبث بي غيطانها وفجاجها
كأن لها ديناً عليّ، وأنني … سيطلبها، سيفي وديني خراجها
ولو أنني أرضى بأدنى معيشة … لأرضت منائي عند أهليك حاجها

ولكنه يأبى ذلك، وتأنف نفسه الأبية أن تمر على درب بدار العز، وفيها علج يسوم أهلها الهوان. ويرفض قلمه الشريف أن يخط سطراً على صفحة بيضاء ببغداد، وثمة بقايا السلاجقة يقتلون الناس على الهوية. وفي هذه الحالة، يتخيل العربي الحر، في أي مكان، كما هو الشريف الرضي، الأماني فيراها غياهبَ لا تنجلي، إلا وعزمه سراجها. فذاك هو قدر العربي الذي هو غريب في داره أيضاً.
كأنها غربة صالح في ثمود.
وغربة المتنبي في شعب “يوان”.
وغربة الفتية العرب، حيث اللغة العربية تغدو عيباً لسانياً، أو خطيئة معنوية، عند نفر يفترض فيهم أنهم حراس العروبة والعربية. نحن على أبواب مؤتمرات إعلامية وثقافية وتربوية، في أكثر من مدينة عربية. وإني لأدعوك أن تسجل اللغات التي سيتكلم بها القوم، وأن تتلفت الى لغتنا العربية لتجدها وحيدة، مهملة لا أحد من أبنائها يرأف بها.

مرّةً، ذهبت الى مقر سفارة عربية، فطلب إليّ أحدهم أن أملأ “استمارة ما” بلغة غير عربية، لماذا يا أخ؟ لم يجب المسكين. وقبل ذلك كنت في مصرف عربي، فسمعت القوم يتكلمون بلغة وبلغتين لا مكان للعربية بينها. وقبل هذا وذاك نزلت الى أحد شوارعنا فسمعت ” كنانة” تتحدث بالأوردو.