رايةُ شُهْد

668

جمعة اللامي/

“طيبة النفس من خصائص المرأة”

(أفلاطون)

أعرف لماذا تقدم فتاة شابة، على صبّ النفط على ثيابها، ثم تشعل فيها عود ثقاب، لتجعل من جسدها طعاماً للنار، وتموت صارخة: ماما، ماما. أعرف ذلك ـ أيها القتلة ـ لأني رأيت بأم عيني، يوم كنت دون العاشرة امرأة أعتبرها بمثابة أمي، عمرها دون الثلاثين، عفَّرت شعر رأسها وطلت جسدها بالنفط الأبيض، وخرجت إلى ساحة المحلة، والنار تأكلها أكلاً، وهي تنادي: “يُمَّه .. يُمَّه .. بنتك شريفة”.
يومها، اندفعت وسط النائحات اللاتي كن يندبن: “فاطمة المهوال، قامت بإحراق نفسها بالنيران”، لأن أحد الحمقى مسَّ شرفها، فكبر ذلك على البنيَّة، وأقدمت على ما أقدمت عليه.
هذا قرار مرعب لا تتخذه إلا امرأة شديدة العفة، رهيفة الحس، أجمل من النور، وأحلى من القبلة الأولى في تأريخ أول امرأة قالت لرجل: أحبك.
لذلك انتحبت صامتاً في سرّي، وهطلت دمعاً سخياً وساخناً في داخلي، مثل دموع “أم شُهْد” المصرية، يوم علمت بانتحار ابنتها: شُهْد، حرقاً بالنار، بعدما أسمعها مدير مدرستها، والمشرف التربوي، كلاماً مهيناً في طابور الصباح.
ضعوا شُهْد نصب أعينكم، أيها الآباء والأمهات، وتصوروا وضع من تُعتبر بأنها “طالبة مثالية” في مدرسة ثانوية، ثم يأتي مدير تلك المدرسة، والمشرف التربوي، وتستمع “الطالبة المثالية “ إلى كلام قذر، يطعنها في شرفها.
لم تفكر شُهْد إلا في كرامتها المهانة، ولم يأت على بالها والدها وأمها وإخوانها وأخوتها وكل أهلها وأقاربها. لم تفكر ، لا بالقانون الوضعي ولا بغيره.
يا ناس، أنا عندي بنت وحيدة واحدة، وأعرف ضخامة عذاب الأب لو مرضت ابنته، أو لو أن أحداً لا أخلاق له، تعرض لها بقول فاحش في الطريق العام!
ولذلك أقف مع والد شُهْد وأمها صارخاً: اللهم، إننا نرعف دماً.

ملاحظة خارج النص “:

الشُهْدُ : عسل النحل