رحلة السيد سين.. نوستالجيا

57

د. حسن عبد راضي /

الطبيعي والبديهي في أي بلد، وحتى في عراق السبعينيات وما قبلها، أن المرء – ولنقل إن اسمه “سين” للسهولة- حينما يفتح الحنفية يجري منها ماء صالح للشرب وبقوة دفع مناسبة حتى أن سيناً هذا يستطيع – من دون فارة- أن يغسل سيارته أو فناء منزله أو حتى سجاد غرفة الضيوف، وأنه حينما يضغط أي زر كهربائي فإن مصباحاً يضيء أو مروحة تدور أو تلفزيوناً يصدح بقرآن كريم أو يعرض كارتوناً أو مسلسلاً.
يخرج السيد سين نفسه إلى الشارع فيجده نظيفاً إلى درجة مقبولة، لا “تكفخه عجاجة” ترابية حارة جافة صيفاً، باردة ممطرة مطينة بطين شتاءً، يقصد منطقة تجارية في قلب مدينته فيجد السيارات تسير في شارع جيد التبليط ومخطط وفيه مناطق لعبور المارة ومؤثث بالعلامات المرورية التي يجد أن سائقي السيارات والسابلة يحترمونها، وثمة شرطة مرور يديرون الحركة من غير ملل أو تذمر أو تراخٍ، يسير في شارع الرشيد مثلاً، ماراً بجوار جقماقجي وعابراً عن يمينه شارع الخيام وسينماه المشهورة، تاركا لقدميه حرية التجوال حيث تنتشر المحال الأنيقة للألبسة والنظارت والساعات السويسرية، يعجبه المسير هناك فيستمر حتى يبلغ المقهى البرازيلية فيقرر أن يشرب قهوة ويجلس متأملاً المكان والمارّة، يخرج من البرازيلية قاصداً أورزدي باك الرشيد، يستنشق في مدخل ذلك السوق الأنيق روائح عطر ممتزجة مع روائح البضائع ذوات الماركات، وتعجبه الفاترينات التي تُعرض فيها البضائع وأسلوب عرضها المدروس الذي لا يختلف كثيراً عما كان قد شاهده في رحلاته السابقة كل صيف إلى تركيا وأوروبا الشرقية ومنتجعاتها، وحين يقرر شراء “بايب” يختاره بعناية من بين عدد من الماركات، مع محلقاته وتبغه الخاص ذي الرائحة العطرة المميزة، تواجهه البائعة بابتسامة ملؤها الود، وتلف له البايب وملحقاته بكيس عليه شعار الأوروزدي أو شعار الشركة المنتجة.
يخرج سين المبتهج بالحياة من السوق، لكن لسوء الحظ تحدث قربه تماماً حادثة سير، ويصاب أمامه صبي كان يحاول العبور على نحو طائش، فيسارع سين – دون خوف من عشيرة الصبي أن تتبلّى عليه- فيساعد السائق في حمل الصبي في السيارة والانطلاق به نحو أقرب مستشفى وهو مدينة الطب، وحين يصلون يتلاقف الممرضون والمسعفون في ردهات الطوارئ الفتى المصاب ويسرعون به إلى غرفة الفحص، وبانتظار إسعافه ومعالجته يجلس هو والسائق في ردهة نظيفة مؤثثة بكراسٍ متينة من منشأ جيد ومضاءة على نحو ممتاز وتعطّ برائحة الديتول.
بعد أن يطمئن سين على صحة الصبي يعود إلى منزله، فيجد كل شيء على حاله، الكهرباء في مكانها لم تتزحزح، والماء ما يزال صالحاً للشرب وجارياً بالقوة نفسها، يشغل التلفزيون فيصدح صوت سعدون جابر: سلميلي يا طيور الطايرة.
السؤال الآن.. أين ذهب السيد سين وعالمه؟ أي نوع ماطور ماء يشتري وأي نوع جهاز تنقية، وبأي مولدة في الحي قد اشترك وكم أمبيراً اشترى؟ كيف عاملوه في الطوارئ حين ارتفع ضغط دمه؟ أين ذهبت خطوط الشوارع وماذا حل بالبرازيلية وأورزدي الرشيد؟ وأي أغنية يسمع الآن؟ لعلها: راحت وانكضت أيامنا الحلوة!