زمن الحبّ المُسلّح

114

جمعة اللامي /

“المثقفون؟ أولئك الذين يمنحون قيماً، مَنْ ليست لديه قيمة.”
(بول فاليري)

حمل البريد إليَّ هدية ثمينة: رسالة من صديق، فرقت ما بيننا الأيام، وعزلت بعضنا عن بعض عاديات الزمان لأكثر من ربع قرن. الرسالة قطعة نثر، لكنها قصيدة، لأنها صادقة، وعفوية، وأرادت أن تختصر أكثر من ربع قرن في أسطر معدودات. وهذه هي إحدى انفرادات المثقف المبدع.

ثمة مثقفون يفسدون ذائقة المجتمع بضجيجهم: صخّابون، شتّامون، يسوّدون الصفحات البيض بحبر رمادي، ويكتبون حول أي شيء، من فضيلة الشعر عند فاليري، إلى ألوان ملابس السيدة إيلوار!
لكنهم ليسوا مبدعين، إنهم لم يصلوا – قط – إلى تلك الأخلاق، ولم يراقبوا تلك الانهماكات الأخلاقية، التي انطوت عليها حياة نيكوس كزانتزاكيس أو بول إيلوار.
في نهاية منتصف القرن الماضي، زار بول إيلوار أثينا، فاستقبله نيكوس كزانتزاكيس بما يليق بأي مثقف: “الشاعر في زماننا لم يعد يكفينا. المقاتل – بدون الشاعر- يضرب خبطَ عشواء، لقد دخلنا في فترة لا ترحم من العمل المباشر الملتهب، في فترة الحب المسلح.”

وتحدث إليّ مناضل نقابي عراقي منفي قائلاً: “بلادنا تمر في فترة لا ترحم، وهناك من يقبل برشوة في منصب، وهناك من لا يستطيع أن يفرق بين تراب الذهب وبين الزبالة في بالوعة.” صاحبي هذا، عامل في مطبعة، خبرته عن كثب، يعرف جيداً تعريف المثقف، كان يتحدث، ولكن من دون ان يدري، عن “فترة الحب المسلح.”

هذه الفترة ذاتها هي التي عناها هوميروس اليوناني في القرن العشرين ــ كزانتزاكيس- عندما خاطب إيلوار: “الشعراء يسيرون في مقدمة الركب، ويبذرون كلمات، لكن ينبغي لهذه الكلمات اليوم أن تكون محشوة بالمواد المتفجرة. المثقفون يحسّون أن الحرية يمكن أن تأتي من دون عنف ذات صباح جميل، كما يأتي الربيع، لكن الحرية كانت دوماً، ابنة الحرب والحب.”

المثقف الذي أخاطبه يرفض الاحتلال الأجنبي لبلاده، بأية صيغة جاء، مثلما يزدري الجلادين، وحراس زنزانات التعذيب، وخبراء التسميم، وقتلة الأطفال، وموظفي الاغتصاب، الذين زيفوا شرف المقاتلين من أجل الحرية.

كان بول إيلوار ضد الاحتلال النازي لبلاده، ولذلك خاطبه كزانتزاكيس قائلاً: “الشعراء العميقون، من أمثالكم أيها الرفيق إيلوار، فهموا هذه الحقيقة، فنزلتم إلى الشارع، دخلتم في الصراع، وشاركتم في القتال.”