زمن الفان هاوزن

589

د. كريم شغيدل/

قيل في الأمثال المعاصرة: إن أناقة الرجل في حذائه وربطة عنقه، وقد وظف الحذاء في المورث الحكائي(حذاء أبي القاسم الطمبوري) وحذاء السندرلا، وروي عن المقبور صدام حسين أنه عيَّر الشعب العراقي بكونه كان حافياً وقد ألبسته الثورة أحذية، ونسي أن العراقيين منذ ثلاثينات القرن المنصرم يفضلون الأحذية الفصال على الجاهزة، وتناسى ماركات باتا ودجلة وزبلوق وسعيد حراق وصادق محقق، إنما عبَّر عن حفاه وحسرته هو على حذاء بلاستك، حتى تقمص الحكم وعكس كل ما فيه من نقص وعقد نفسية دفعته للانتقام وكرست في شخصيته مشاعر العدوانية.

عندما كنت صغيراً أرافق والدي إلى عمله في شارع الرشيد في محل صغير لبيع الملابس، كنت أتسلل ظهراً للتسكع والوقوف طويلاً أمام محال بيع الأحذية، لا سيما في مواسم الأعياد، أمضي شهراً كاملاً أو أكثر وأنا أبحث عن حذاء مناسب لي، أقف أمام محل باتا الذي اتخذ ركناً مقابل المقهى البرازيلي في منطقة سيد سلطان علي، وأمام أحذية زبلوق بجوار الأورزدي باك الذي كنت أتهيب من الدخول إليه لوحدي، أقرأ الأسعار وأسأل عن الحجم الذي يلائمني، وحين يقترب العيد تبدأ رحلة الإلحاح على الوالد وهو يسوّف الأمر، وعند اقتراب العيد تكون الأحجام المناسبة لي قد نفدت فاضطر لرحلة بحث جديدة في محال الكاهجي، المهم أنني أرتدي(قندرة جديدة) لمناسبة العيد.

حين كبرت كانت هناك محال كثيرة انتشرت وماركات مثل الشروق وتدمر وكلكامش وريفان وريماس وعلاء حداد و(21) وغيرها، وأصبح الزبائن يحجزون الموديلات بما يلائم مقاساتهم، بل شاعت ظاهرة شراء أكثر من زوج من الأحذية في آن واحد، وكانت هناك محال تجارية عرفت باستيراد الأحذية الأجنبية من مناشئ عالمية وماركات مشهورة مثل(فان هاوزن) و(كرينسن) و(وجورجس) وغيرها الكثير من الماركات الإنكليزية والإيطالية والهولندية، وقد أمست اليوم عرضة للتقليد أو الامتيازات في الهند والصين وتركيا ومصر وغيرها.

اليوم تجتاح أسواقنا الأحذية الصينية وهي من أسوأ الأنواع، تليها التركية بحسب أبوابها، لكن السائد ليس هناك اهتمام بالحذاء بوصفه علامة تحضّر وأناقة، فمع شيوع الأحذية الرياضية والكتان والجراكز والشحاطات والنعال والتجول بها بمناسبة وغير مناسبة، بتنا نفتقد لمن يختار حذاء مناسباً لملابسه لوناً وموديلاً، فالمظهر ألف باء الشخصية- كما يقال- ولا يمكن فصل تقاليد اللبس والطبخ والسلوك العام لشعب ما عن وعيه وثقافته ومدى تحضره ولكم القياس.

روى لي أحد الأصدقاء عن صديق له بسيط الحال، لكنه يحرص على ارتداء الملابس من ماركات عالمية، وكان مرحاً وذكياً يرحمه الله، سبّب له مظهره مشكلة مع المقبور علي كيمياوي كادت تودي بحياته، يقول سألته عن أحذيته فقال: في بداية حياتي تقدمت لخطبة فتاة فرفضتني أمها بسبب حذائي، قالت بالحرف الواحد (هذا من حذائه يبين مهتلف) فأقسمت ألا أرتدي إلا أحذية أصلية، يبدو أنها كانت من نساء زمن الفان هاوزن!!