زها حديد

214

عبد الله صخي /

عندما كانت في السادسة من عمرها أخذها والدها السياسي العراقي المعروف محمد حديد، أحد قادة الحزب الوطني الديمقراطي ووزير المالية بين عامي 1958- 1960إلى دار الأوبرا في بغداد، ليس لمشاهدة عمل موسيقي راقص بل لزيارة معرض خاص بفرانك لويد رايت أحد كبار المعماريين الأميركان في النصف الأول من القرن العشرين. يومها انبهرت بالأشكال التي شاهدتها فظلت عالقة في ذاكرتها حتى بلغت الحادية عشرة. وقتها ازدادت اهتماماتها بفن العمارة وقررت أن تصبح مهندسة، وحسب الدراسات والمدونات أخذت الصبية زها تراقب أشكال البنايات فأحبت التصميم وشغفت به فقامت بتصميم ديكور غرفتها.
لقي ذلك إعجاب والديها اللذين ساهما بدرجة كبيرة في إنضاج قدراتها. وقد ظل حلم أن تصبح مهندسة يراودها. كانت تتوقع أن تحقق ذلك الحلم، لكن ما لم تتوقعه هو أن تغزو موهبتها الرائعة العالم لتلقى اعترافاً فنياً وجمالياً قلّ نظيره لمصممة عربية أو أجنبية. حدث ذلك على مراحل بموازاة دراستها للرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم دراستها للعمارة في الجمعية المعمارية بلندن التي أقامت فيها حتى رحيلها الأبدي.
منذ البداية اختطّت زها حديد طريقاً خاصاً بها لتنفيذ أفكارها برؤية خلاقة باعتراف المتابعين والنقاد البريطانيين، فاعتمدت الانسيابية الرفيعة وتخلت عن الحدود القاطعة النهائية، وجعلت تصاميمها تقوم على خيال طليق ولكن على دعامات قوية معبأة بالحديد. غير أنها تركت للجمال الشاهق إطلالتها الملهمة الفاتنة، وتجلّت على يديها عبارة غوته “العمارة موسيقى صامتة” الميزة التي ظهرت في العديد من أعمالها مثل مشروع نادي الذروة في هونغ كونغ، ومشروع دار كارديف باي للأوبرا في ويلز ببريطانيا.
قال الناقد أندرياس روبي إن مشاريع زها حديد تشبه سفن الفضاء التي تسبح بدون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، ليس فيها جزء عال ولا منخفض، ولا وجه ولا ظهر، إنها مبان تقوم وكأنها في حركة انسيابية في الفضاء المحيط.
هنا بعض من إنجازاتها الفنية: محطة إطفاء الحريق في ألمانيا، متحف الفن الحديث في سينسيناتي في أميركا، مركز الفنون الحديثة في روما، معرض منطقة العقل في الألفية بلندن، المركز الثقافي في أذربيجان، محطة لقطار الأنفاق في ستراسبورغ، محطة البواخر في سالرينو، مبنى بي إم دبليو المركزي، ومركز حيدر علييف الثقافي في باكو.
زها حديد رحلت عن العالم، الذي ساهمت بصياغة مبانيه جمالياً، في تموز عام 2016، عن 66 عاماً تاركة غصّة في أوساط المؤسسات الفنية والمعمارية.
زها حديد التي نفذت نصباً ساحرة في مختلف بقاع العالم.. ألا تستحق نصباً لها في بغداد التي أحبتها وفتنت بها وحملتها في قلبها أينما حلّت؟!