زواج المعجنات!

299

#خليك_بالبيت

حسن العاني /

اذا حالف الحظ ذاكرتي، فأن بغداد الى العقد الخمسيني من القرن الماضي تقريباً، لم تعرف ما نعرفه اليوم من مئات المحال الخاصة بعرض الحلويات، والى جانبها عشرات الانواع من (المعجنات) بأسماء محلية وعربية واجنبية لا تحصى ولا تعد، وبأشكال هندسية وغريبة والوان ونكهات لا اول لها ولا آخر، وهي تحاول ارضاء الاذواق جميعها، ومراعاة التباين في قدرات الناس الشرائية، وقد ادى ذلك بالضرورة الى تطور نوعي مهم في هذه الصناعة وفي موادها، الى جانب خبرة عالية لدى المشتغلين عليها، بعضها مكتسب او منقول عن خبرات وافدة او مستوردة، وبعضها الآخر عراقي بامتياز، بحيث اصبحت معجنات السوق الجاهزة جزءاً من تقاليد (العوائل)، فهي حريصة على تقديمها في الافراح والمناسبات السعيدة والزيارات المتبادلة!!
المرأة العراقية عامة، والبغدادية (كوني شاهد عيان) سبق لها قبل ستة عقود او سبعة ان اختصرت هذه المسميات والتنوعات كلها، وذلك بأعداد (المعجنات المنزلية) ذات (الزي الموحد)، والمعروفة باسم (الكليجه) التي حظيت بشهرة عالية لم يبلغها اديب ولا عالم ولا رياضي ولا سياسي، وقدّر لها أن تحافظ على شهرتها وبقائها الى يومنا المبارك هذا على الرغم من معداتها التكنولوجية المتواضعة… وكان هذا النوع من المعجنات العراقية هو أحد ابرز مظاهر عيدي الفطر والاضحى، لانه مما يُقدّم للضيوف مع الشاي، ولكن صناعته ارتبطت بالعديد من التقاليد الاجتماعية، فقبل حلول عيد الفطر مثلاً ببضعة ايام تبدأ الاسر بتوفير مواد (الكليجه) وهي (الطحين والدهن الحر والتمر والسمسم) والعوائل ميسورة الحال تهيء في العادة كميات كبيرة من المواد لانها تحسب حساب الجيران، فربما توزع (مواعين الكليجه) على بيوت (الطرف) من دون استثناء… ولا نعدم بالطبع وجود اسرة هنا او هناك تنشد بتلك الكميات الكبيرة شيئاً من المباهاة والفخفخة… ويلاحظ ان العوائل الفقيرة على وجه الخصوص تجد في (الكليجه) وجبة فطور صباحية شبه مجانية!!
المعجنات المنزلية قادت الى عرف اجتماعي يتمثل بما يعرف (العونه) أو (الفزعه)، أي تقديم المساعدة، فالبيت الذي يتولى عمل (الكليجه) يبعث خبراً او اشعاراً الى نسوان الطرف وبناته، وهكذا يستقبل اهل الدار عدداً كبيراً من النساء بشتى الاعمار يتوزعن على مراحل الاعداد، ابتداء من العجن وتحضير العجينة، وصناعة النوع المعروف بأسم (الخفيفي) المطرز بالسمسم… والنوع الاخر وهو (كليجة التمر)، ولم تعرف بغداد في تلك المرحلة (حشوة) الحلقوم او المبروش او الجوز … الى آخر مرحلة وهي الشواء بتنور الطين الذي كان جزءاً لا يتجزأ من تكوينة البيت البغدادي، كما كان من الصعب وجود امرأة بغدادية لا تجيد الوقوف وراء التنور…
يعدُّ هذا التعاون النسوي من امتع المتع للمرأة التي تعيش حياة شبيهة بحياة السجناء، ليس فقط لأنه مرتبط بالحكايا والسوالف والضحك والمزاح والغناء واكبر قدر من الحرية والانعتاق، بل قبل ذلك وهو الاهم، إن كل فتاة تحضر وهي في قمة زينتها وماكياجها، وتُظهر في اثناء عملها وحركتها افضل ما لديها من مهارة وشطارة وذكاء وخفة دم وخلق رفيع، لان عيون ام فلان او فلان او فلان… تراقب وترصد بحثاً عن اجمل وأكمل عروس لابنها (كانت الام في العادة هي التي تختار العروس) وهكذا تبدو تلك الليلة مزاداً سرياً لأفضل بضاعة تفرض نفسها على المشتري… مرة سمعت امي تقول عن جارتنا مديحة: تستاهل مدوحه ، خوش بنيه… ولو زواجها زواج كليجه!!