زوجتي على حق!!

183

حسن العاني/

لا يختلف اثنان، على أن “المباشرة” في الكتابة، هي أسلوب قديم ومعروف، وبدأ في الخطب الارتجالية أيام العصر الجاهلي، وكانت الميادين السياسية والتعليمية والتربوية والوعظية، هي الحواضن الرئيسة لما أصطلح عليه النقاد باسم، الأسلوب المباشر، وربما يذهب بعضهم الى إدانة هذا النمط في غير ميادينه، فعموم الأدب الشعري والروائي والقصصي يعمد الى أساليب أخرى، يمكن أن تعبر عن المرحلة أو عن طبيعة الكاتب الأسلوبية.. الإشارة الى “الأساليب” التعبيرية المنوعة، تقودنا بالمقابل الى “فنون” البلاغة العربية المنوعة، ومن أجملها – لو سمحتُ لنفسي أن أعتقد – فن (الكناية) التي تقف عند أبعد نقطة من المباشرة، لأنها تصل الى هدفها، أو توصل رسالتها بتعبير أدق، عبر الإيحاء الذكي، أو التنويه الخفي، أو الرمز الدال، أو عبر هذه الأنماط كلها، ولعل من أشهر الأمثلة البلاغية التي إعتمدها الأقدمون، قولهم (فلانة بعيدة مهوى القرط)، في إشارةٍ لطيفةٍ موشومةٍ بالغزل، إلى أنّ تلك الفلانة صاحبة جيد طويل، ولو قلنا إن فلانة تمتلك رقبة طويلة ونحن في معرض الوصف الغزلي، لهدمنا الصورة الذهنية المفعمة بالتأمل!!  يلاحظ من غير مصاعب تذكر، إن خطابنا الشعبي قد أفاد كثيراً من الكناية، سواء في الكثير من تعابيره وأمثاله، أم في قصائده العامية، كقولنا مثلاً (فلان يمشي بصف الحائط) –مفردة بصف تعني بجانب- والأشقاء المصريون يقولون المعنى نفسه (جنب الحيطه)، ويراد بهذا القول الكنائي، إن (فلانا) مسالم وديع، لا تصدر عنه الإساءة ولا يؤذي أحداً، ولا أدري لماذا كنت أنظر الى نفسي دائماً، على أنني رجل من هذا (الصنف)، فقد أمضيت أكثر من خمسين سنة في دروب الصحافة، ولم (أتحارش) في يوم من الأيام بالنظام القاسمي أو العارفي أو البعثي أو نظام ما بعد الاحتلال، وعلى كثرة ما يقال من كلام جميل عن الديمقراطية وحرية التعبير وحماية الصحافيين، من عهد فيصل الأول الى عهد فؤاد معصوم، إلا إنني نأيت برأسي عن دوخة الرأس، وحافظت على علاقات طيبة مع الجميع، مكتفياً بالكتابة عن حالات عامة، لا تضر ولا تنفع، ولا يقرأها المسؤول، كالبطالة والمصالحة والكهرباء والتسوية والسكن والماء والعنوسة والفقر والبنى التحتية والفوارق الطبقية ولكنني لا أقترب من السياسة وعالمها المخيف (مفهوم السياسة في العراق الجديد، يُراد به: الحكومة وعدد المقاعد الوزارية السيادية فقط)، المهم عندي ان أحسب 30 يوماً وأقبض راتبي وأعود الى البيت مرتاح البال، حيث تكون زوجتي في إنتظار الراتب!! بناء على هذه المواصفات المثالية، أنا صحافي من نوع تتمناه المطبوعات الحكومية، ومع ذلك، ومع هذا المشي مطأطأ الرأس إلى جانب الحائط، لم أسلم، ففي ليلة الثلاثاء الموافق (6/12/2016)، وهي ليلة شديدة البرودة، وأنا مستغرق في نومي، رأيتُ، والصلاة على محمد، فيما يرى النائم، وكأنني كتبت مقالةً طويلة، ونشرتها هنا، في مجلة الشبكة، تناولت فيها بالنقد الساخر، أحد أفراد وزير الإعلام، وقد استدعاني الوزير غاضباً، (على الرغم من إن البلد من دون وزير إعلام ولا وزير دفاع ولا داخلية ولا مالية)، وحاسبني حساباً شديداً على بعض العبارات التي تدين سلوك الحماية، فقلت له “معالي الوزير.. إن العبارات التي تذكرها مقتبسة نصّاً من تصريحات أطلقها أعضاء في الحكومة والبرلمان وزعماء كتل سياسية.. ولم آتِ بشيء من جيبي”، وبدلاً من أن يهدأ سيادته، فقد تصاعد غضبه وسألني “هل أنت واحد منهم..؟ الجماعة أحرار فيما يقولون!!”، أجبته “عفواً سيدي.. أنا مجرد صحفي ومواطن من عامة الناس”، وبلغ به الغضب حداً أفقده الكياسة، وأنساه إننا تحت خيمة الديمقراطية، وإن على قوة الأكثرية أن ترحم ضعف الأقلية، وبإشارة ذات دلالة معينة من إبهامه الأيمن، هجم علي رجال طول الواحد منهم سبعون ذراعاً –فيما كان سيادته يصرخ مزمجراً: إبن الـ…… إذا كنت واحداً من أفراد السلطة الرابعة التي لا تحل ولا تربط، فلماذا تورط نفسك؟- ورفعوني بأطراف أصابعهم، كما لو كانوا يرفعون طفلاً رضيعاً، ثم تركوني أهوي أرضاً، وإرتطم جسدي ببلاط الغرفة إرتطاماً عنيفاً، فاستيقظت مرعوباً، ووجدت نفسي ممداً على الأرضية، بعد أن سقطتُ من سريري وقد إستيقظتْ زوجتي فزعةً، وساعدتني على النهوض، وتعوذتْ في وجهي من شر الكوابيس، وحين رويت لها الحكاية كاملة، إرتعدتْ فرائضها، وركب الجنون رأسها وقالت لي “والله العظيم مستاهل وحيل بيك…. الصحفي يحلم بأرض، بشقّة، بتكريم، بايفاد.. إنت تحلم بوزير الإعلام.. وتتحارش بحمايته.. إرجع نام ودير بالك من الكوابيس.. خاف النوبة تحلم بالريس!!”، أعتقد برغم قسوتها، كانت على حق، ولذلك فضلت عدم النوم منذ تلك الليلة!!