سائق التاكسي في بغداد

709

عواد ناصر/

سائق التاكسي هو الناطق غير الرسمي باسم قاع المدينة. إذا أردت أن تعرف المدينة، أي مدينة فما عليك إلا به، شرط أن تكسبه فيثق بك لتثق به.سرديات سائقي التاكسي تتنوع بتنوع رؤيتهم للحكاية، تجاربهم، طرائقهم في النظر إلى المشهد والواقعة والسيرة.
من هنا أكرر أن المثقف ليس قارئ الكتب والوراق والكتبي أو مؤلف الكتب، كل مواطن مثقف في ضوء تجربته وحصافته وحساسيته إزاء الحياة والبشر، وقبل كل شيء مهنته.. فهي عناصر تمثل ثقافة هذا الكادح الذي لوحته الشمس واختزن تحت أظافره زيت المحرك.
سائق 1: في زيارتي الأخيرة لبغداد تجنبت، جهد الإمكان، أن لا يكشفني سائق التاكسي كمغترب يزور عاصمة بلده، وقد أخذت كل الاحتياطات اللازمة لأبدو ابن البلد، فحاولت أن أرتدي ما يعجب الناس من ملابس وأن أتكلم اللهجة حسب لهجة سائق التاكسي، وأنا أزعم إتقاني للهجة الجنوبية زائداً لهجة البغاددة، وبعد أن انتقيت أكثر مفرداتي قرباً وتشبها بلهجة سائق التاكسي الذي أقلني من حي البنوك حتى الكرادة، فاجأني ذلك السائق:
-وين مقيم الأخ؟ وبرغم إدراكي لمغزى سؤاله حاولت التهرب فأجبت:
-في حي البنوك.
أوضح من جانبه: لا، أقصد محل إقامتك الأوروبي. قلت: قبل أن أجيبك، أجبني أنت: ما العلامة الدالة على أنني أقيم في أوروبا؟
أجاب بهدوء: لأنك ربطت حزام الأمان فور جلوسك إلى جانبي! لقد أسقط في يدي، يا صاحبي، وأنها غلطة الشاطر التي فاتتني تماماً.
سائق 2: يبدو على هذا السائق، عدا ملامحه المريحة وعمره الذي تجاوز الأربعين، أن هندامه ينم عن ذوق ما تبقى من أبناء الطبقة الوسطى. بادرني بتعليق، بعد أن لمح سيدة شابة على الرصيف، في طريق العودة إلى حي البنوك: لم تعد بنات اليوم محل ثقة في الحب.. كلهن يبحثن عن محفظتك لا عن أخلاقك. خيل لي أنه عاشق من طراز قديم. رددت أصحح مفهومه الإطلاقي عن بنات اليوم: كلّهن؟ وهل جرّبتهن كلّهن؟ قال: أقصد الأغلبية. سألته: هل تزوج ابنتك لشاب خلوق وعاطل عن العمل؟ أجاب: الزواج غير الحب. أنا أستاذ جامعي وأعمل سائق تاكسي بعد الدوام. حارشته: وهل تحب؟ قال بعد نفثة حرّى خرجت من أبعد جذر للشجرة الخضراء تحت أضلاعه:
«عمر وتعده الثلاثين، لا يفلان». أكملت أنا: «عمر وتعده وتعديت، لا يفلان».
أكد هو: أعشق قصائد مظفر النواب والأغاني التي غناها ياس خضر من قصائده، بألحان طالب القره غولي. صرت أدندن على مسامعه بأغنية «البنفسج» فاستطاب الرجل دندنتي. ولأن صوتي كان في أسوأ حالاته حيث يُبح أو يكاد يختفي كلما زرت العراق، صرت أردد كلام الأغنية إلقاءً لا دندنةً: «يا طواريّك من الظلمة تجيني/ جانت ثيابي علي غربة/ كبل جيتك/ ومستاحش من عيوني»… إلخ.
عبر السائق عن استحسانه بصوتٍ عال هذه المرة: إنه أحلى مشوار مع أحلى زبون هذا اليوم. وصلت بيت أخي، في حي البنوك، حيث أقيم، ولما نفحت هذا السائق النوّابي أجرته، كما اتفقنا، أبى، بإصرار صادق، أخذ الأجرة مع اعتذار حار لأنه ساومني في البداية، ثم أردف: عليّ أنا أن أدفع لك مقابل ما خلقته من بهجة طوال الطريق. رميت المبلغ من نافذة السيارة على المقعد المجاور له، ثم طلبت رقم هاتفه كي أطلبه كلما احتجت الى سيارة تاكسي طوال وجودي في بغداد.