سحر الرقم : 46664 !

39

جمعة اللامي /

“يبدو لي أن طلب السعادة، أنبل شيء للقلب البشري” ـــ (ألبير كامو)

كامو، المولود في الجزائر، والمنقلب على الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب هذه “الجزائر” أيضاً، أبعد من أي يساري في منظومة يسارية، وإن ادعت ذلك : كان عليه أن يكون – دائماً – مع الحرية، بينما كان الحزب الشيوعي الفرنسي في حينه مع ستالين، وليس في صَفّ كارل ماركس. وبذلك هو يقف بعيداً حتى عن لويس أراغون، المتقلب بين ماركس والدكتاتور.

وليس في هذا ادعاء بطولة من قبل الذي أطلق على المجموعة البشرية شخصية “ميرسو” في رواية “الغريب” التي جاءت إليه بجائزة نوبل عام 1957. إنه يدرك ماذا تعني السعادة للقلب الإنساني . هذه فكرة دينية، وكامو لا يستحي من إعلانها، بل هو يقول في كتابه الرائع “رسالة إلى صديقي الألماني” ما يلي : إنَّ البطولة شأن قليل، السعادة هي أصعب.”

هو، كامو، يوافق آخرين يقولون إن السعادة ليست ترفاً، إنها نحن أنفسنا. وهي – هنا، موقف ذهني، كما يقول “ديل كارنيجي” في كتابه المنتشر بين قراء العربية، والمعنون بـ “كيف تكسب الأصدقاء؟”
هذا “الموقف الذهني” حيال السعادة، هو الذي يعيد كاتباً متميزاً، مثل كامو، إلى دائرة الضوء دائماً، لأنّهُ الحرية بامتياز، ويجعل منه إنساناً حاضراً في العصور كلها، وليس في القرن العشرين فقط.

والإنسان ليس رقماً.
إن “تنميط” الإنسان اختراع الأنظمة الشمولية، كما هو زبدة النظام الرأسمالي، حيث يتحول الإنسان إلى مِكَبِّ لأخلاقيات فائض القيمة، ولا يوجد إنسان يعي حقيقته الإلهية إلاّ ويرفض أن يتحول إلى رقم،
وهذا ما فعله فيلسوف مانديلا، أيضاً.

إن هذا القديس الذي يتمرد على كهنوت السياسة السياسي وردائه، رفض أن يوضع رقمه في السجن العنصري: 46664، على قطعة نقدية، بينما هو منهمك في حملة نوعية وطنية لتخليص فئات واسعة من مواطنيه من “الإيدز”.

مانديلا لا يريد أن تُهان سعادة المناضل، في عزلته بالسجن، بهذه الطريقة الاستهلاكية الرقيعة، لأن الرقعاء فقط، وإن ادعوا الارتباط بالتقاليد النضالية، هم الذين ينسون أرقامهم في السجون، او يتبرعون بها للقوات الأجنبية المحتلة لبلدانهم.