سها يسهو سهواً!!

676

حسن العاني/

إلى خمسين سنة مضت، كان عطارو بغداد يرفعون على واجهات دكاكينهم، أو في أماكن بارزة منها، لوحةً تحمل العبارة التالية (الغلط والسهو يعاد الى الطرفين)، وليس أحد من أبناء جيلي، إلا وشهد أكثر من حالة، يقوم فيها المشتري باعادة هذا المبلغ من المال، أو تلك البضاعة، إلى البائع (صاحب الدكان) لأنه أخطأ في حساب المال أو كمية البضاعة.. وبالعكس.. وكانت هذه هي إحدى السلوكيات النبيلةِ للعراقيين، والتي مازال الكثير منها قائماً الى يومنا هذا، على الرغم من الغزو الحضاري، وبلاوي الموبايل والانترنيت ومصائب الحروب!!

لعل ما يميّزُ العبارة آنفة الذكر، هو بساطة مفرداتها، وصياغتها الشعبية، وما يعنيني منها على وجه التحديد، هو مفردة (السهو) لانها كثيرة التداول في حياتنا اليومية، وربما كانت أكثر شيوعاً في الوسط الصحفي، فطالما إعتذرت هذه الجريدة أو تلك، لأن كلمةً أو رقماً أو سطراً أو حرفاً (سقط سهواً) أو أخلّ بالمعنى أو قلبه رأساً على عقب، فقد نقرأ العبارة التالية (الحيلة ليست سلاح المرأة)، وهي عبارة مثيرة للجدل والارباك، والسبب هو سقوط كلمة واحدة، لأن أصل الجملة هو (الحيلة ليست وحدها سلاح المرأة)!!

في الاعلام، يعرف الصحافيون، إن الجريدة تعتذر أحياناً عن هذا الخطأ أو السهو، إذا كان الخبر المنشور مثلاً بالغ الأهمية، أما إذا كانت المادة المنشورة مقالة لكاتب من جماعة الحكومة، فان الجريدة لا تكتفي بالاعتذار، وإنما تعيد نشر المقالة كاملة، أما إذا كان الكاتب (مو مِنْ جماعة الحكومة)، فانها لا تعتذر ولا تعيد نشر المقالة، وليضرب رأسه في أقرب حائط!!

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة حول تصريحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، فيما يتعلق باسقاط صدام حسين ونظامه، وقد إعترف الرجل بأنه اخطأ في السماح لدولته بالانسياق المتعجل وراء موقف الحلفاء، ومثل هذا الكلام الواضح والجريء، ليس جديداً، فقد سبق لأميركا ودوائرها المخابراتية والاستخباراتية، وعدد من كبار مسؤوليها، أن أعلنوا في وقت مبكر بعد 2003، إنهم كانوا ضحية معلومات غير دقيقة، حيث أثبتت الوقائع، إن رئيس النظام لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، وهو العُذرُ الرئيس لاسقاطه، ويفتقر الى الأسلحة الحديثة، الهجومية والدفاعية، بل ذهبت الولايات المتحدة الأميركية الى أبعد من هذا، يوم أعلنت بعظمة لسانها، إن صدام حسين (ليس مجرم حرب، وإنما هو أسير حرب)، في وقت كانت المؤسسات السياسية والاعلامية الأميركية قبل 9/4/2003 تصفه بالمجرم والدكتاتور والعدو الأول لحقوق الانسان، وصاحب أكبر مخزون للأسلحة المحرمة دولياً، فما الدافع وراء تحسين صورته ومنحه شهادة براءة؟!

لا خلاف على ان هذا التغيير في الموقف الأميركي ثم البريطاني يثيرُ آلاف الأسئلة والاجتهادات، ويسبب للعراقيين دوخة رأس، وكل ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي تعلن فيه عمتنا أميركا عن ندمها البالغ على ما أقدمتْ عليه في العراق، وأخشى أكثر لو أن احداً سأل الأميركان: لماذا أطحتم بالنظام إذن؟ ويأتي الجواب (لقط أسقطناه سهواً)، لأنني والحالة هذه قد أموت من الضحك!!
ملاحظة: بدوري سهوتُ ولم أخبركم، إن أميركا وبطانتها صعُب عليهم تقديم العون لنا، كي نُسقط النظام بأيدينا، كما لم أخبركم سهواً، إنهم أطاحوا بالنظام بدعوى أسلحة الدمار، ولكنهم لم يفكروا باسقاطه وهو يدمر شعبه، ويقوده من كارثة الى كارثة، ومن حرب الى حرب، ولم يفكروا بالتخلص منه وهو يتفنن في إبادة العراقيين، ومع ذلك فألسنتهم عن الانسانية وحقوق الانسان أطول من ليل العشاق!!