سيدُ الفتوى وجمعةُ الحشد البيضاء

196

#خليك_بالبيت

د. حسن عبد راضي /

مرَّت قبل أيام الذكرى السنوية السادسة لانطلاق فتوى الجهاد الكفائي وتأسيس الحشد الشعبي العراقي، تلك المؤسسة العسكرية الفريدة من نوعها في العالم، التي تأسست بطريقة غير مشهودة. فلم يكن في حسابات الإرهاب ومموّليه وداعميه أن رجلاً يجلس على حصير في بيت متواضع مستأجر في أحد أزقة النجف الأشرف يستطيع أن يستنهض همَّة العراقيين ويحشدهم لمواجهة الأخطار المحدقة بالوطن بكلمتين: “جهاد كفائي”، فإذا بالجموع تتوافد من كل أرجاء الوطن وقد وضع كل واحد منهم “روحه فوق راحته”، لم يتثاقل ولم يتواكل.
إن المشاهد العظيمة لجموع القادمين من أجل الانخراط في حشد الدفاع المقدس عن العراق أرضاً وسماءً وبشراً وشجراً وهواءً وكرامة، لتثير إعجاب العدو والصديق على السواء… تصل الشاحنات الموكلة بنقل المتطوعين إلى مواقع القتال في الجبهات، فينطلق الجمع ويتسابق الشباب والشيب للصعود إليها، ربما في أماكن أخرى من العالم يشهد المرء تسابقاً كهذا لكن على أبواب المولات في “الجمعة السوداء” لاقتناء ما يمكن اقتناؤه حين تُطلق العروض فيباع كل شيء بسعر زهيد، وتلك نزعة دنيوية استهلاكية تجعل الناس يقفون على أبواب تلك الأسواق منذ الفجر أو قد يبيتون ليلتهم انتظاراً لفتح الأبواب، أما في سوقنا نحن العراقيين و”جمعتنا البيضاء” فإن الأمر مختلف تماماً، إذ تجمهر الناس وباتوا ليلتهم وتدافعوا ليبيعوا شيئاً ثميناً جداً، بل إنه أثمن الأشياء طراً ..يبيعونه بلا ثمن، إنهم يهبونه هكذا خالصاً لله وللوطن، ذلك الشيء هو أرواحهم ودماؤهم الزكية، ولقد لفتت انتباهي لمحة قد تبدو عابرة ولا يلتفت إليها أحد، ففي الصور والفيديوات الكثيرة التي وثقت مراحل التأسيس وتجنيد المتطوعين، يركض بضعة آلاف منهم متجهين صوب تلكم الشاحنات العسكرية، ولفرط تدافعهم وتهافتهم على التضحية يُسقِط أحدُهم أحدَ نعليه، وتُظهر الصورة شاحنة معبأة بالرجال، وتحتها بالضبط “فردة نعل”.. وتخيلوا معي رجلاً يذهب إلى الحرب أعزل تماماً ونصف حافٍ، لكنه “أسد القلب آدمي الرُواءِ” كما يقول أبو الطيب واصفاً أحد شجعان زمانه، فأي أبطال كان أولئك الرجال، ومن أية صخرة صبر وشجاعة وبسالة وإيثار قُدّت نفوسهم؟
إن تجربة متفردة مثل تجربة الحشد الشعبي قمينة بأن تجعلنا فخورين بعراقيتنا، وبأننا أسقطنا مشاريع كانت تريد تمزيق العراق فاستخدمت ترسانة أسلحتها وخزين مؤامراتها واستعْدَتْ علينا وحوشها، ثم وقفت بعيداً وقالت إن تحرير الأراضي العراقية من براثن داعش يستغرق عقدين إلى ثلاثة عقود من السنين، وما الذي يمكن أن يمزق بلداً ونسيجاً اجتماعياً أكثر من أن تزرع في جسده سرطاناً من صنعك ثم تزعم أنّ شفاءه قد يطول!؟ وإذا بمارد الحشد العراقي يطيح بهذه المؤامرة، وإذا بقواتنا الأمنية تستعيد ثقتها بنفسها وقدراتها القتالية، وإذا بالنصر الناجز يتحقق في غضون ثلاث سنين، ويقف الأعداء وحلفاؤهم مذهولين من هول الصدمة.
فألف تحية لكل من صنع هذا النصر البهي، وأعاد للعراق أرضه وحريته وكرامته.

 

النسخة الألكترونية من العدد 361

“أون لآين -4-”