شارع “أبو كاطع”

201

عبد الله صخي /

بعد تسمية الشارع المحاذي لجامعة بغداد في الجادرية باسم عالم الفيزياء الراحل عبد الجبار عبد الله، اتخذ مجلس محافظة بغداد خطوة جريئة أخرى بتغيير اسم (شارع 10) الرابط بين ساحة الاندلس ومجسر ملعب الشعب باسم الراحل شمران الياسري “أبو كاطع”.
ففي السابع من أيار/ مايو الماضي أصدر مجلس محافظة بغداد قراراً تحدى فيه الإهمال الطويل الذي أحاط بعلامات بارزة في تاريخ العراق الثقافي والسياسي والفكري.
شمران الياسري كاتب وصحافي ومناضل سياسي اكتسب معرفته وثقافته من الحياة اليومية، توجهاً برغبة مفعمة بالأمل بالرعاية الشخصية بعيداً عن الدراسة الأكاديمية. شغف بالقراءة والاطلاع على الأدب العربي والعالمي فبنى شخصية رفيعة المستوى تتمتع بحسٍّ نقدي ساخر أهلّه لأن يقدم برنامجاً شعبياً من إذاعة بغداد بعد ثورة تموز عام 1958 تحت عنوان “احجيها بصراحة يبو كاطع”. وسرعان ما ذاع صيت البرنامج وصاحبه لاهتمامه بحاجات المواطنين اليومية، والفلاحين بالدرجة الأولى، فنقل طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل يضمن لهم حريتهم وكرامتهم، ويوفر لهم لقمة هانئة، وهو بهذا المنحى لم يبتعد عن البيئة التي ولد ونشأ فيها، بيئة قضاء الحي في محافظة واسط أواخر العشرينات لعائلة تمتهن الزراعة. يومها كان الفلاح محكوماً بنزوع الإقطاع إلى الهيمنة على المنتج والإنسان، عندها تلمس الفتى شمران الفروق الطبقية بين الناس وانحاز إلى الفقراء منهم فدافع عنهم وناضل من أجلهم وتعرض للملاحقة والاعتقال من قبل أجهزة أمن الحكومات المتعاقبة.
بعد انقلاب شباط عام 1963 هيمنت عليه فكرة الرواية فسعى إلى إعادة بناء الحياة الفلاحية إذ أنتج رباعية هي الأولى من نوعها في الأدب العراقي، كما أظن، أوائل سبعينات القرن الماضي، وضمت “الزناد، بلابوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس احميّد”.
هذه الرواية الرائدة كان من الممكن البناء عليها لتأسيس أدب يعنى بالريف وخصائصه. لم تمهل الحياة السياسية المضطربة شمران الياسري لينجز مشاريعه في الرواية التي كان يستعد لها إذ كان يتنقل بين سجون العمارة والكوت وبغداد، ثم انشغاله بالعمل الصحافي في جريدة “طريق الشعب” إذ كان يكتب عموداً في صفحتها الأخيرة تحت عنوان “بصراحة”. كان عموداً متميزاً الى حد أن القراء كانوا يبدأون به تصفح المطبوع لمعرفة المؤشر السياسي حينذاك.
في عام 1976 غادر العراق سراً إلى براغ، لكنه لم يتحمل حياة المنفى، فهو ابن البيئة الشعبية العراقية المتدفقة. لقد ظل يعاني مرارة البعد حتى رحيله في حادث سير.
التفاتة مجلس محافظة بغداد شجاعة ومخلصة تدفعنا إلى أن نعقد آمالاً بتسمية شوارع أخرى بأسماء مبدعين شكّلوا تاريخنا وذاكرتنا.