شايلوك.. ومراكب أنطونيو الأربعة

200

رئيس التحرير سرمد عباس الحسيني/
فرضت (7 أكتوبر)
للقضية الفلسطينية وضعاً
سياسياً مغايراً عن ما سبق، مصدّراً إياها إلى الواجهة العالمية من جديد بمختلف زواياها.
فبعد أن ظن الأغلب المتابع.. والمشاور.. والمجاور.. والمطبّع، أن تلك القضية قد أدخلت (غرفة الإنعاش) بحالة موتٍ سريري لا رجاء منه، وسط غبطة (الشايلوكيين) الذين راحوا يفركون أيديهم أملاً في حصول كلٍ منهم على حصته من (رطل) لحمها المُتبرع بها من عرّاب (صفقة القرن) الواهب لما لا يملك، مدت (7 أكتوبر) مريضنا بإكسير حياة اشتق معناه من (نبتة الخلود)…. وليعلو صوت (غزة) مجدداً.
غزة.. التي أدخلت على حين غرة ساحة (محكمة) التاريخ والأحداث، في تقمصٍ دراماتيكي متقن لشخصية (بورثيا)، ومصدرةً إلى الواجهة شخصية ووجه (بالثازار المتنكر)، كلاعب في الوقت بدل الضائع في مسرحية (صفقة القرن)، التي كادت فصول مسرحيتها أن تبدأ بعد تاريخ (7 أكتوبر) حسب عرّابها، لولا (المتنكر) الذي اقتحم (ستيج) المسرح، فارضاً دوره المتقن بفعل دفوعات ذاكرها جيداً عند محامي الظل (بلاريو).
هذه الدفوعات.. أربكت حسابات السيناريو الذي أعده (العرّاب) وربيبه منذ سبعينيات القرن الماضي، ومن ثم السير بقطار التطبيع والتجارة (حسب تصريح بايدن).
فقد فككت (7 أكتوبر) سكك قطار التطبيع الذي كاد أن يصل إلى محطته قبل الأخيرة، ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية وبيع ممتلكاتها بأبخس ثمن.. إن قيّمت بثمن أصلاً. كما وأطاحت بخط التجارة الموازي لطريق الحرير الصيني (قطار بر- قناة ماء) الذي كاد أن يصيب الصين بمقتل اقتصادي-سياسي.
و(لتتفركش) المسرحية، وليهرب كومبارسها انزواءً، بعد أن فرضت / فرض (بالثازار المتنكر) دوره كلاعب رئيسي لم يرتضِ بغير البطولة دوراً، فارضاً نفسه بروح الواثق بما يؤمن على مشهدٍ سار به وفق شروطه، وليلطم (شايلوك)، مرابي المسرحية وممولها، على رأسه، بعد ضياع حلم حياته (قناة بن غوريون وغاز غزة)، وانقلاب جمهور المسرح عليه وسط موجات صفير وأصوات استهجان.. واعتناقٍ للإسلام، جمهورٌ صحا من نوبة غيبوبة فرضت عليه بفعل التزوير التاريخي والإعلامي وغسيل الأدمغة المسلط عليه منذ ما يزيد عن السبعين عاماً.
ووسط احتدام الأحداث، وتصاعد وتيرتها بين بطلي المشهد، ووصولها الى نقطة اللاغالب ولا مغلوب.. دخلت مراكب (أنطونيو) الأربعة، وفرضت (الهدنة) واقعاً جديداً، لم يستوعبها (شايلوك) المتمسك بخسّة أحقيته بالحصول على (رطل) اللحم الخاص به منذ (وعد بلفور)، ولكن لا يهم حينها إن كان مع دمٍ وأشلاء تجاوز في آخرها 20,000 ضحية من المدنيين.. كالعادة.
وليحدّث (بالثازار) من تكتيكاته حسب معطيات (المراكب الأربعة)، التي تمثل أولها بقطف ثمار نتائج إطلاق سراح أسراه وعودتهم إلى ذويهم سالمين معافين، ومقتنعين ومتمسكين (بمتلازمة ستوكهولم).
وأن يفرض في ثانيها على (شايلوك) التفاوض وفق شروطه، وأنهى في ثالثها أسطورة (المرابي) الذي لا يقهر ولا يخسر، وأفرغ شعاراته المسوّقة لجبهته الداخلية المتزعزعة والمتمثلة بـ (احتلال غزة – إنهاء المقاومة – تحرير الأسرى) من مضمونها.
.. بنشر هذا المقال، تكون مراكب أنطونيو الأربعة-الهدنة) قد انقضت، وعادت مستجداتها إلى غيابة الأحداث، ولتكتب فصول جديدة (لمسرحية شكسبير) المحدّثة بتفاصيل عصرنا، بارتجال أبطالها، وبصيغة الند للند، وسط متابعة حثيثة من (العرّاب) و(بلاريو) خلف أستار الكواليس على حيثيات المشاهد التي استحوذ على أغلبها (المتنكر).. الذي ذاكر باجتهاد.. ونجح بدوره بامتياز، وبفرض واقع حال.. إن ما بعد (7 أكتوبر) ليس كما قبله..