شتائم مدفوعة الثمن!

219

حسن العاني/

يحدثنا التاريخ السياسي للعراق الحديث، أن ثورة التاسع من نيسان المجيدة، فريدة من نوعها، ولا تشبه الثورات والإنقلاباتالتي مرّت على رؤوسنا.. يغادر الملك ويدخل الزعيم، ويصعد العقيد وينزل الزعيم.. الخ، ولذلك لمتقف عند حدود ذهاب صدام بقوة الدبابة، ومجيء فلان وفلان وفلان بالانتخابات، بل حملتْ معها رياحَ التغيير الجذري الشامل، التي لم تترك صغيرة ولا كبيرة الا وهزّتها بعنف، فهي في سبيل المثال، إجتثّتِ القوات العسكرية والأمنية والمخابراتية بالكامل، تاركة العراق خارج نطاق التغطية، تعبثُ به الفوضى العارمة تحت نظر القوات الأميركية التي لم تحرّك ساكناً لحماية الناس وحفظ الأمن، مثلما إجتثت الإعلام ووسائله و(كوادره)، من دون أن تقدم البديل المقنع، ولكي تؤكد أنها (ثورة.. ثورة.. وليست لعب عيال)، فقد طرحت مئات المفاهيم الغريبة على أسماع العراقيين، الخارجين تواً من عنق الدكتاتورية، وسطوة الحزب الواحد وقضية الرئيس الملهم وقائد الحملة الايمانية حتى بات الشارع يهرف بما لا يعرف، ليس إبتداء بالحكومات المحلية، ولا إنتهاء بالأصابع البنفسجية!!
ثمة ظاهرة ثورية من ظواهر ثورة نيسان 2003، شاعت بصورة لافتة للنظر، متمثلة بدعاوى (رد الاعتبار) التي يرفعها هذا المسؤول أو هذه الجهة، ضد الإعلاميين عامة، والصحفيين خاصة، لا لشيء إلا لأن (مقالة) الصحفي تضمنت نقداً قاسياً لسلوك هذا المسؤول أو ذاك، أو وردت فيها معلومات غير دقيقة مئة بالمئة، وكان الأَولى بالمسؤول ممارسة (حق الرد)، وتفنيد الخطأ ومحاورة الصحفي حواراً موضوعياً، يدفعه الى الاعتراف بخطئه –في حالة إنه لم يكن دقيقاً في نقده أو معلوماته- ثم طلب الاعتذار، وينتهي كل شيء على أفضل صورة، ولن تصل الأمور بينهما الى أبعد من هذا الحد، إلا في حالات نادرة، ونادرة جداً، قد تستوجب اللجوء الى القضاء، طالما هناك منافذ مفتوحة للرد والايضاح والتصويب والحوار والاعتذار!!

بعد (2003)، تحولت الحالات النادرة الى ظاهرة، وبات الصحفي عرضةً دائمية لرد الاعتبار والدعاوى القضائية على الصغيرة والكبيرة، وعلى كتابات لا تستوجب الضجة والزعل والنرفزة، لأن أغلبها يقع ضمن دائرة الرأي وحرية التعبير، ولكن الأهم من هذا كله، والأغرب حقاً، إن المشكلة لبست ثوباً جديداً، فمعظم الدعاوى المقامة، تطالب الصحفي بتعويض قدره (مليار) دينار، وفي أحيان كثيرة، يرتفع المبلغ الى مليارين أوثلاثة..وربما أكثر، وأظن –والله أعلم- إن المليارات فقدتْ هيبتها، وأصبحتْ لا تساوي لدى بعضهم أكثر من حفنة دنانير، تُقدَم مهراً لعروس جديدة بعد أن باتت الزوجة القديمة (إكسباير)، أو تُدفع رشوة لكسبِ صفقةٍ دسمة، أو تمرير مشروع حجم (إكس لارج)، ولو علم أساتذة ردّ الاعتبار ورواد القضاء (بالقاف وليس الفاء) ممن (يتنازلون عن شتيمتهم أو يقبلون بها مقابل مليار دينار، وكأننا أصبحنا في عصر الشتائم مدفوعة الثمن)، أقول: لو علموا إن 40% من الصحفيين يعيشون في بيوت مؤجرة، و30% يقترضون على رواتبهم، و20% يعتمدون على معونات المحسنين، و10% يموتون جوعاً أو مرضاً أو قهراً، وإن أغنى صحفي شريف، بالمعنى المهني للصحافة، لو باع داره وأثاث منزله وجهاز الموبايل وربطة عنقه وملابسه الداخلية، فلن يوفر (ربع مليار)، والسؤال المحزن هنا: من أين له أن يدفع ملياراً أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر؟! اللهم إلا في حالة واحدة وهي أن يبيع قلمه ونفسه ومبادئه، ولكنه لو أقدم على ذلك، لن يصبح صحفياً، بل طبالاً في فرقة الطبالين، ومعلوم –لمن لا يعلم- إن هذه الفرقة الضالة، هي الوحيدة التي تشعر إنها صغيرة، وتسير وراء خطى الكبار، وليس لها رأي خاص بها، ولا موقف ولا قضية، ولا تحسن في دنياها إلا فن المدائح.. ف.. فأتقوا الله في الصحفيين يا أولاد الـ… أعني يا أصحاب المليارات!!