صوتنا المبحوح

32

د. حسن عبد راضي /

درجَ الناسُ على كتمانِ شكواهم، على أنْ يولدوا من رَحمِ الأحزانِ مقهورينَ، أن يمتلئوا بالغيضِ كالأنهار، أو أنْ يصرخوا في البئر فرطَ الصمتِ، لم يُولدْ لهم من يَحملُ العبءَ، ومن يصغي إلى صوتِ “المگاريد”، إلى الدمعِ الذي يُسفحُ في ليلِ الدرابينِ الفقيراتِ، وظلتْ حسرةُ الجَوعى، كما يَذوي وراءَ الليلِ شمعُ الروح، ظلوا “ينطرون” الصبحَ، كان “الريلُ” يأتي بالمكاتيبِ، ولكنْ قيلَ إنّ الريلَ معطوبُ، وإنّ الماء في الصحراء مسكوبُ، وإن القلبَ مما سَغِبَ الأطفالُ مثقوبٌ!
فيا وجهَ الغد الآتي، ترفقْ إنَّ رفَّ الطيرِ أرواحُ الصغيراتِ، لقد جفّت شفاهُ النهر، منذ اكتظّ بالغرقى، ومالتْ شمسُنا غرباً، وولّى بدرُنا شرقا، ولم نعرفْ متى يجتاحُنا الطوفانُ، إلا أننا طولَ المدى نَشقى، عرفنا كيف يبدو الموتُ، آخيناهُ، شاركناهُ قرصَ الخبز، هامتْ نحوَهُ أرواحُنا شوقا، حفظناهُ نشيداً كلما “لاحتْ رؤوسُ حِرابنا” طاحتْ مدارسُنا، وقلنا إنه كلكامش المنصور حامينا وحارسُنا، هطلنا دونه غيثاً، أضأنا دربه برقا.
فيا لصراخِنا المبحوح، يا لمحاجرٍ ما غابَ عنها دمعُها المسفوحْ، يا للروحْ، حين تنوحْ، حين تُسائِل التاريخَ عن تاريخِه المجروحْ، أكان نهارُنا كذباً على أنغام موسيقى؟ أكنا نُدمنُ الآلامَ نُشبعهنّ تلويناً وتزويقا؟ عَمِينا كلَّ ذاك الدهر، ثم رمى علينا الفجرُ شلوَ قميصِه الدامي، فمزّقناهُ تمزيقا، هربنا في فلاةِ الدهر نركضُ دونما غاية، وحول ديارِنا اجتمعتْ ذئابُ الريح، تحتَ نيوبها التلميحُ والتصريح، كان عواؤها في ليلنا آية، وتخفق فوقها – سوداءَ تقطرُ أكبداً ومدامعاً- راية.
غداً ترثونَ يا أطفالَنا الأوزار، غداً سيُذاعُ في الأخبار، إذ تقفونَنا وتكونُ دينونةْ، سيسرعُ حافرُ الأعوام، غداً ستُبرهنُ الأيام أن الدار مرهونة، وأنا قد سرقنا منكم الأحلامْ، أصيخوا السمع هل من ضحكة في الأفق مدفونة؟ تحروا علكم تجدون ضوءاً خبأته الشمس، قصيدةَ عاشقٍ لاذتْ بظلِّ الأمس؟ ولؤلؤةً من الأفراحِ وسطَ محارةِ الأحزان مكنونة.