ضابط الأمن بلاسم محمد!

34

بيان الصفدي /

والحقيقة أن الحال في ذلك الزمن لا يحتاج إلى مخبر متطوع، فهناك وفرة -بلا شك- لدى كل الجهات منهم، لكن (ع) أراد أن يرفد هذا الجانب في ذلك الوقت!.
الأغرب أن هذا المخبر المتطوع لا يخفي الكثير مما يفعله، بل كان يحدثنا عنه في أغلب الأحيان بفخر وزهو، فمرة عن مشهد رآه في الشارع، ومرة أخرى عن مقال في صحيفة أو فقرة في الإذاعة، ويعدّ ذلك إنجازاً من إنجازاته. لا أنسى ذات يوم، في اجتماع عمل في مكتب المديرة العامة، أن أخرجت السيدة أمل الشرقي رزمة من الظروف المفتوحة، وتوجهت بالكلام إلى (ع) بغضب:
-شوف سيد (ع) بعد ماريد أشوف هاي التقارير، معقولة هاي الحكومة تكتبها بأسبوع؟ هذا مو شغلك، آخر مرة أنبهك وإلا أعاقبك!
صمت صاحبنا على مضض، لكنه زاد نشاطه، بل أخذ يرسل تقارير إلى المسؤولين الآخرين في البلد -كما أخبرنا-. ذات يوم جاءنا تنبيه من مركز أمني كان مبناه يواجه مبنى دار ثقافة الأطفال في الجادرية حينها، فوضع في لوحة الإعلانات، وكان ينص على عدم إيقاف سيارات العاملين في مواجهة ذلك المبنى، وعدم فتح الستائر التي تطل عليه. أثار الأمر صاحبنا، وهنا استلَّ (ع) قلمه وكتب تقريراً إلى وزير الإعلام يحتج فيه على أوامر الجهة الأمنية، لأنها تتعدى على حقوق جهة حكومية محترمة، وأن ذلك التنبيه فيه ظلم لا مبرر له، وحدّث بما فعله للكثيرين، ومنهم صديقنا العزيز مالك المطلبي.وهنا جاء وقت مقلب نوعي جديد، ينتظره مالك بفارغ الصبر.
بعد أيام اتفق مع بلاسم محمد على تمثيل العملية التالية:
طلب مالك – وكان رئيس قسم الإشراف اللغوي-أن يحضر أمامه (ع) وأبلغه أن جهة أمنية قادمة لأخذه بسبب ذلك التقرير. اصاب الرعب صاحبنا، وراح يتوسّل، فطمأنه مالك أنه سيساعده قدر استطاعته، ثم قال له: اختبئ في المخزن المقابل، وسأقول أنك في عمل خارج الدار.. دخل صاحبنا إلى مخزن صغير لحفظ الملفات والحاجات يواجه مكتب مالك، ثم بعد دقائق دخل رجل أمن يشتم (ع) بكلام بذيء، ويهدد ويرعد، ولم يكن ذلك الرجل سوى بلاسم محمد، الذي أدى دوره ببراعة تامة كالعادة. راح مالك، على مسمع من (ع) طبعاً، يهدّئه ويرجوه أن يترك الأمر له ليعرف حقيقة الأسباب وراء كتابة التقرير.
بعد قليل، صاح مالك بصاحبنا المختبئ:
“اطلع، عليك الأمان”
خرج (ع) وقد تلوثت ملابسه بالغبار مثل فأر، ونفض ملابسه حامداً نجاته من الاقتياد إلى مكان مخيف، ثم راح مالك يسأله، عما إذا كان أحد أو جهة ما دفعته إلى كتابة تقريره؟
وما إذا كان له نشاط سياسي معادٍ، وهكذا، وصاحبنا يتلوّى خوفاً، ويرجو:
“أستاذ مالك معقولة، ما تعرفني؟ أنا بس حبيت أسوِّي شي حسبالي صحيح.”
هنا وعده مالك أن يطوي الأمر مع تلك الجهة، ولكن طلب منه وعداً بأن يكفّ عن كتابة التقارير لأية جهة، وهنا راح (ع) يقول: “التوبة بعد، والله لو اشوف الدنيا خربانة قبالي أسد حلقي واسكت.”لا ندري بعدها ما الذي حصل، فقد مرت أشهر، لم نعد نسمع بأي جديد مع صاحبنا، فهل كفّ عن ذلك؟ ربما فعل.