ضد النظام

64

بيان الصفدي/

إن الالتزام بالنظام ليس وليد ساعة، لكنه مسألة تحتاج إلى تربية وتعوُّد وقوانين رادعة، ولا شك في أننا شعوب لم تغادر بداوتها تماماً، ولم تدخل العصر إلا من بوَّابات ضيقة ومخلعة، قد يتساوى فيها الأمي والمثقف إلى حد كبير.
فلا تفاجأ إن وجدت أحدنا يأكل بيده، أو يحاول انتزاع دور ليس له في الطابور، أو يحاول التقدم على آخرين أكثر منه أحقية وكفاءة في مجال من المجالات.
ولا تستغربوا أيضاً أن أروي لكم ما حصل من خرق سافر للنظام، لا يليق بأحد، فما بالكم بمن هم محسوبين على الفن والثقافة والأدب، أوَّلهم كاتب هذه السطور!
كنت مع صديقي علي المندلاوي عائدين من صالة (الواسطي) في السعدون، وعلينا أن نعبر إلى الرصيف الآخر في الجهة المقابلة من الشارع، لكن نقطة عبور المشاة كانت بعيدة قليلاً، ومن الميسور في العادة قطع الشارع من أي مكان لولا ذلك الأسبوع، فقد كانت السلطة تفرض أسبوعاً يتيماً للمرور كل عام، فتستنفر رجال المرور لضبط حركة السير وعبور المشاة والمركبات والعربات، وتفرض عقوبات قاسية وقتها، بغرامة خمسة دنانير أو الحبس لأيام لمن لا يستطيع الدفع.
قلت لعلي: “تعال نعبر بسرعة، ماكو شرطة مرور!”
أما علي فكان أكثر انضباطاً وتعقُّلاً مني على الدوام، فقال: “لا يمعود هسه يلزمونا ونتبهذل”.
لم يصمد علي أمام إصراري، إذْ أكدتُ أنه لا وجود لشرطي مرور كما يبدو، بل أسرعت وسبقته بالعبور، وطلبت منه أن يتبعني، فاستجاب مكرهاً وعلى مضض، وهكذا عبرنا بسلام، وما إن صرنا على الرصيف الآخر حتى قلت لعلي ضاحكاً:
“شفت؟ ليش تخاف؟ كل شي ما صار، عبرنا ومحد شافنا!”
ولم أكد أنهي جملتي وإذا بقبضة قوية تطبق على عنقي، وقبضة أخرى على عنق علي، وسارا معنا قليلاً، وهما يبربران غضباً من فعلتنا.
هنا انقلب الموقف إلى دراما غير متوقعة، فقد كان عدد من رجال الشرطة -أو المتطوعين- ينتظرون أمثالنا ليقعوا في الشرك!
لم تسعفنا الاعتذارات والرجاءات، بل كنا نساق نحو حافلة واقفة على مبعدة قليلة، وقد سبقنا إلى ضيافتها عدد من أمثالنا!
وحاصرتنا الضحكات من هذا الموقف، ومن منظر الضيوف المخالفين الذين يؤتى بهم وهم يتوسلون للفكاك بلا فائدة، ولم تتحرك الحافلة بهذا الصيد الثمين إلا بعد أن “قبطت” تماماً، فتحركت بنا إلى مركز مرور رئيس، أشكالنا طريفة، من كل لون وجنسية، من الأفندي والعجوز، والشقاوة وشبه الشحاذ، ومن المصري إلى التونسي والباكستاني، أما أنا وعلي فكنا نجوم “السِّرة”، فأنا معي كتب، وعلي بحقيبة فنان وبعض من عدة رسمه الخفيفة.
وصل (سرانا) أمام الضابط الذي يحاسب المخالفين أو يرسل من ليس معه فلوس إلى السجن، لكنه فوجئ بي وبـ علي، فقد كان مستغرباً، ولم يتوقف عن القول بمرارة:
“تشتغلون بمجلتي والمزمار وتخالفون المرور؟ خوش قدوة لأطفالنا! والله لازم أسويلكم غرامة مضاعفة”!
كان الرجل محقاً، وذبنا أمامه خجلاً، وكانت اعتذاراتنا باهتة أمام كوننا من العاملين في دار ثقافة الأطفال.
دفع كل واحد منا خمسة دنانير مخالفة، وسط نظرات استغراب وعتب وسخرية ممن معنا في “السِّرة”.
لكن ضحكاتنا انطلقت من جديد بعد خروجنا من المركز بسبب كل ما جرى، وأخذ علي يلومني من جديد، ويتهمني بأنني السبب في كل ما جرى، وأنه نبهني واعترض علي منذ البداية بلا فائدة، وأنني على الدوام أوقعه في إحراجات.
في اليوم التالي كنا حديث زملائنا، فتتميماً للعقوبة قمنا بلصق وصلي المخالفة في لوحة بغرفة الرسامين، ولم نسلم من قفشات الأعزاء جميعاً، خاصة بلاسم محمد ومنصور البكري وعبد الرحيم ياسر ومنى سعيد وعواطف الحلي وحنان شفيق ووووو.
إلى الآن عندما أتذكر تلك الحادثة أشعر بالخجل، وأنه كان درساً علمنا الكثير، ونحن في أوطان نحتاج فيها الى الكثير من الدروس لكي نتعلم النظام.