ضمير المهنة!!

126

حسن العاني  /

إنَّه عام من تسعينيات القرن الماضي حين ذهبت مع الزميلة الصحفية المبدعة (بيان العريض) لإجراء تحقيق ميداني عن أمانة بغداد لصالح مجلة “ألف باء”، وكان السيد أمين بغداد في مقدمة من التقيناه في حوار صريح وجريء جداً، غير معهود لدى مسؤولي الدولة الآخرين، حتى كنت خائفاً عليه من نفسه، فقد تحدّث عن الفساد الذي يحكم سلوك “الكادر” القيادي للأمانة، نزولاً إلى معظم موظفيها..
هذه الاعترافات النادرة والشجاعة ألهمتني لصياغة العنوان الرئيس للتحقيق بما يتواءم مع طبيعة تلك التصريحات “النارية”، ولأنني بصدق كنت خائفاً على الرجل فقد تجاوزت على ضوابط المهنة، وعرضت العنوان عليه، فأبدى موافقته مع أعلى درجات الحماسة.. وهكذا تم نشر التحقيق في المجلة يوم الأربعاء – موعد صدورها الثابت أسبوعياً – وفي اليوم الثاني مباشرة، تمت إقالة الأمين من منصبه.. وما زلت حتى هذه اللحظة أشعر بتأنيب الضمير لأنني كنت وراء إبعادِ مسؤولٍ يتحلّى بالوضوح والجرأة في زمن يتستر فيه الآخرون على العيوب!!
وفي عام يعود إلى النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي نشرتُ مقالةً قلت فيها مع معناه: إن الصحفي الذي لا يجد أمامه موضوعاً للكتابة فأمامه أمانة بغداد، وبمقدوره أن يتناول أية “بلوى” من خدماتها المتردية، وقد انزعج أمين بغداد انزعاجاً كبيراً، ولكنَّه تعامل معي بطريقة إعلامية حضارية، حيث وجّه لي دعوة لمرافقته في جولة مفتوحة بغية الاطلاع على جهود الأمانة وإنجازاتها و.. ولبيتُ الدعوة، وكانت الزميلة بيان معي كذلك، وأغلب الظن أنَّ جولتنا استغرقت قرابة أربع ساعات، طفنا في أثنائها جهات العاصمة الأربع، وتوقفنا في العديد من الأماكن للاطلاع على سير العمل.. وكانت الفقرة الأخيرة من الجولة المتعبة، وجبةَ طعام في جزيرة بغداد السياحية، ولأنّ صاحب الضيافة رجل غير اعتيادي، فقد رأيتُ من صنوف الأكلات والمقبلات واللحم الأحمر والأبيض، ما لم أرَ نصفه ولا ربعه في عرس أمي، وتناولت يومها من الأطعمة ما يليق بأيام الحصار، حتى ترنحتُ من الشبع، وكدتُ أفقد الوعي، ولكن ضميري ظلّ صاحياً ولم يترنح!!
قال لي الرجل بلغةٍ عالية التهذيب وهو يودعنا: “لا أريد منك إلا أن تكتب الحقائق كما رأيتها بعينيك”، وهكذا فرغتُ إلى قلمي وأوراقي، وأبعدتُ عن وجداني رائحة اللحوم المشوية، وتمسكتُ بذمة المهنة وأمانة النقل الصحفي، وكتبتُ كل ما شاهدته من دون زيادة أو تزويق و.. ودونتُ بعض الملاحظات على غرار، أكداس النفايات المقزّزة في قلب العاصمة، ابتداء من سياج الأقسام الداخلية في منطقة “باب المعظم” مروراً بعشرات المناطق الأخرى، وآلاف الشجيرات الذابلة في (الجزرات) الوسطية وعلى جانبي الشوارع، لأنّ “الأمانات” أهملتها ولم تتكرّم عليها بحفنة ماء.. على أن أقسى تلك الملاحظات على السيد الأمين “رحمه الله” هي التي أشرتُ فيها إلى أنَّ الاتفاق الأولي بيني وبينه يقضي بأن تكون زيارتنا مفاجئة ومباغتة إلى مواقع العمل، لكي تكون الصورة حقيقية، غير أن الوقائع جميعها والأدلة الثبوتية تؤكد أن الأماكن التي زرناها بدون استثناء، لم تكن على علم بالزيارة فقط، بل كانت كذلك على أعلى درجات التهيؤ والاستعداد لها، فكل شيء جاهز ومرتّب، بحيث لم تفلت ذرة رمل من أيديهم.. الأرصفة ومواقع التعبيد والمقرنصات ومناطق العمل.. تزهو أمامنا، كما لو كنا في شوارع لندن أو باريس!!
غضب أمين بغداد غضباً شديداً، ولعلّه ندم على وجبة الغداء الملكية، وكادت الأمور تتفاقم وتأخذ مجرى لا تُحمد عواقبه، لولا وعد من المجلة التي نشرت التحقيق.. إنها ستعوض الأمين والأمانة بتحقيق آخر لصحفي غير حسن العاني، ينزع فتيل الغضب.. وما زلتُ حتى هذه اللحظة أشعر بالرضا الكبير عن ضميري لأنَّه لم يخذلني!!