طائر الكوت

52

بيان الصفدي /

عندما بدأت العمل في مجلتي والمزمار، كان أحدهم من أكثر الزملاء صخباً ومرحاً، وكان في العمل طفلاً لا يكف عن الضحك والمزاح والملاطفة مع أن طوله قد يبلغ مئة وثمانين سنتمتراً، مع وزن ثقيل أيضاً، لكن بروح كالريشة.
يطل على غرفتنا الكبيرة في الوزيرية، ليحدثنا بشغف عن طير عراقي يعيش في الأهوار، أو في شمال العراق، وأنه طير عراقي صميم، ويأخذ بالتفصيل حول هذا الطير أو ذاك، ريشه وغذائه وعاداته إلخ, ولم يكتف بذلك بل ألّف كتباً في هذا الموضوع. بحميمية أكثر كان يحدثنا عن “حيدوري”، وليده الصغير حينذاك، كيف تصرف، وماذا نطق، ولماذا بكى أو ضحك، يحكي ويكاد أن يبكي من حنانه، هكذا عرفت الأديب شفيق مهدي، ابن الكوت الذي يكبرني بعشرة أعوام. خلال العمل لا أنسى مودته وتواضعه الجمّ، وقبوله للنقد والملاحظات إن جاءت في محلها، وقد كان زميلنا عبد الإله رؤوف يؤكد مثلاً أن شفيق مهدي ظل طوال الليل متسلقاً شجرة النبق في حديقة خلف مبنى مجلتي والمزمار في الوزيرية حتى يحظى بطائر، وحتى يكون في أتم استعداد للحظة لا تفوَّت، فقد رآه عبد الإله متدلياً من غصن وفي يده آلة التصوير لالتقاط صورة نادرة لطائر عراقي!! فنضحك ويضحك شفيق، ويعود جادّاً ليعيد علينا آخر ما اكتشفه أو عرفه عن الطيور العراقية. غادرنا لعام إلى هنغاريا، وعندما عاد لم يكفَّ عن إمتاعنا بالحوادث التي صادفته هناك، وكان يروي لي بشكل خاص عن فرحه بصداقة أديبين سوريين كانا معه هناك في الدورة الصحفية نفسها، وهما حسن يوسف وبندر عبد الحميد.
وحصل أن وقَّع العراق وسورية ميثاق العمل القومي، وانتظر الناس وحدة تكاد تكون وشيكة عام 1979 بعد خلاف عنيف عاصف بين القيادتين، وراحت الوفود تتقاطر بين البلدين فجأة، وإذا بشفيق يتجه نحوي متهلِّلاً وقائلاً:
“اليوم أنت معزوم عندي بالبيت على أحلى دولمة شغل أم حيدر مع أحلى صديق سوري… بندر عبد الحميد هنا مع وفد صحفي.” الطريف أنها المرة الأولى التي ألتقي فيها بالراحل الكبير بندر، وكانت جلسة من جلسات العمر، وكاد أبو حيدر أن يحشو أفواهنا حشواً بالدولمة كرماً ومحبة، وهو يفرفر حولنا بسعادة غامرة. فيما بعد ازداد نشاط شفيق، وامتدَّ عطاؤه عراقياً وعربياً، ومال أكثر إلى كتابة القصة والحكاية الشعبية، وترجمَ وأعدَّ وألَّفَ، وصار غزير الإنتاج، فله كتاب (ألف حكاية وحكاية للأطفال) الذي صدر عام 2013، وله معجم ضخم عن الحيوانات وأسمائها وألقابها لم يطبع بعد، وقال لي إنه صار يكتب قصة كل يوم، وإنه يكتب متى أراد وفي كل الظروف. في عام 2010 دُعيت إلى مهرجان المربد السابع في البصرة، ولا أخفيكم أنني لبَّيت الدعوة لأرى بغداد والبصرة أولاً، ولأرى من بقيَ من زملائي في دار ثقافة الأطفال ثانياً، وفي اليوم الثاني من وصولي إلى البصرة جاءتني مكالمة من الصديق العزيز عبد الرحيم ياسر، أعلمني فيها أنهم ينتظرونني في الدار أثناء عودتي إلى بغداد. ذهبت إليهم في مكانهم الجديد الذي بدا لي غريباً وباهتاً عمَّا في البال، لكنني وجدت نفسي وجهاً لوجه مع الصديق القديم شفيق مهدي، كان العمر قد نال من حيويته، ورأيته أكثر سمرة وهدوءاً، لكن روحه كانت منكسرة رغم فرحة لقائنا، بل إن دموعنا سالت ونحن نتذكر ماضينا الذي ابتعد.
بعد ذلك صرنا نتبادل التحايا والأفكار والطرائف بشكل شبه يومي عبر الفيسبوك والواتس، وكان (رحمه الله) أكثر أصدقائي نشاطاً في ذلك، فينقل لي أخباره الأدبية والشخصية، آخرها فوزه بجائزة كبرى في أدب الأطفال في الشارقة، ثم يمطرني بالطرائف التي يلتقطها من هنا وهناك، بعدها التقينا مرتين في دمشق وفي بيتي، فقد اعتاد أبو حيدر زيارة دمشق بين سنة وأخرى.
الغريب أنه أعلمني بإصابته بالكورونا، وظل يتواصل معي ويطمئنني على وضعه، ولا يكفُّ عن مرحه المعهود في رسائله، إلى أن علمت بشكل مفاجئ أنه رحل.
برحيل شفيق مهدي هوى نورس من نوارس بغداد، لن يملأ مكانه المكتنز علماً وأدباً أحد!