طائفية مبتكرة!!

269

حسن العاني/

اعترف بأن الانشطارات العمودية والأفقية التي تمر بها الكيانات السياسية – تحت شعار الحيوية والتطور الفكري مرة، أو متطلبات المرحلة ومستجداتها مرة أخرى، أو أي شعار أو عذر آخر، وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها- كانت واحدة من أهم العوامل التي شجعتني على إعادة النظر في الكثير من قناعاتي القديمة. وقد اكتشفت أن ثلاثة أرباع تلك القناعات لا تستند الى قراءة علمية للواقع، وأنها جاءت متعجلة، وغير مدروسة، وربما متأثرة بأفكار الآخرين. فإلى شهور قريبة مضت، وأنا أطرح فكرة غريبة مفادها: أن العراق يعاني من الطائفية التي هزّت المجتمع، وترتبت عليها بلاوي البلد ومصائبه، واعترف كذلك بأنني الى وقت قريب وأنا أخضع لتأثير العقل الجمعي، وأتهم أميركا مع من يتهمها بالوقوف وراء الطائفية التي دخلت الى البلاد مع المارينز على ظهور الدبابات!!

لا مثلبة، بل هي حسنة أن يراجع الإنسان مواقفه، ويخضعها للنقد، ثم يقرر: هل يغيرها أم يعدلها أم يتمسك بها، على وفق تطوراته الفكرية، ونضج وعيه وتجربته الحياتية. ومن هنا أعلن عن أسفي واعتذاري الكبيرين، لأن افكاري القديمة عن العراق الطائفي، كانت قائمة على ضلالة، وسوء تقدير للموقف، وقصور في الرؤية، بعد توصلي الى قناعة أكيدة، وهي خلو تماماً من الطائفية المذهبية، ودليلي على ذلك، أن مئات الآلاف من بيوتات السنّة والشيعة المتجاورة، لم تشهد اعتداء طائفياً من عمامة بيضاء على عمامة سوداء وبالعكس وأن مئات الآلاف من الشيعة متزوجون من شيعيات وبالعكس، ولم تقع حالة طلاق لسبب مذهبي، ولم نسمع عن عشيرة شيعية اعتدت على عشيرة سنّية بدافع مذهبي، وبالعكس، كما لم يُسجّلْ حادث واحد لدى مراكز الشرطة او مقار الأمم او مفوضيات الأمم المتحدة عن شجار مسلح، او تلاسن او تراشق بالحجارة، بين المحلات والمحلات، والمدن والمدن، نتيجة خلافات مذهبية.

وأهم من ذلك كله، ظلت دور العبادة الشيعية مشرعة الأبواب أمام السنّة، يدخلونها بأمان ويغادرونها بأمان، والعكس صحيح، ولم تتوقف الزيجات المتبادلة بين النجف والفلوجة، وبين الأعظمية والكاظمية، وبين الناصرية والموصل، منذ وصول الدبابة الأميركية والى يومنا هذا، وآية ذلك، أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ما كان في يوم من الأيام، ولن يكون، إمام الشيعة من دون السنّة، أو إمام السنّة من دون الشيعة، فهو من لحظة نومه في فراش الرسول الكريم (ص) في الحادثة المشهورة، وهو إمام الشافعية والحنبلية والجعفرية والحنفية والمالكية والمسلمين جميعاً على مر التاريخ..

البلد نظيف من هذا الوباء، والناس أبرياء، والأمر وما فيه ، أنّ نسبة قد تصل الى 80% من الطبقة السياسية (الشيعية السنيّة) هي التي تغذي هذا الوجع الطائفي، وتعتاش عليه، وتمده بأسباب البقاء، وتهيئ له الوسائل، من إعلام أصفر، صحف وفضائيات ووكالات أنباء ومحللين سياسيين، ومن عصابات مأجورة وقتلة ومرتزقة، وبالنتيجة تمارس هذه النسبة العالية، نوعاً من التجارة التي تدر الغنائم والمليارات على حساب أمن العراقي ودمه، وبالطبع هناك (20%) من عقلاء الطرفين، ولكنها تمثل أقلية لا قدرة لها على مواجهة دكتاتورية الأكثرية من طائفيي المذهبين الذين يختلفون على كل شيء، الدستور والمناصب والوظائف والوزارات والسفارات و.. و.. لأنهم يريدون كل شيء على مقاسهم وحجم منافعهم!!

ويزداد المشهد التراجيدي مأساوية، حين نعرف أن سياسيي الشيعة، ومثلهم السنّة، يختلفون داخل البيت السنّي، وداخل البيت الشيعي على نوع الحصة وحجم الكعكة، ولهذا فإن الطائفيين من الطرفين، ليست لديهم مشكلات شرعية او معضلات فقهية، بل لا يقيمون وزناً لها، لأن طائفيتهم مبتكرة وغير مسبوقة، فهي من النوع التجاري المالي الربحي، الذي يمثل الدولار كعبته ودينه ومذهبه.