عبور النهر

775

عبد عون الروضان/

يبلغ عرض النهر في هذه المنطقة من العالم أكثر من خمسمائة متر وذلك قبل أن تنشأ شطوط البتيرة والمشرح والكحلاء التي أخذت من مائه الكثير الكثير، وحين تكون الرياح جنوبية شرقية ونسميها « شرجي « يتحول النهر إلى وحش غاضب ويروح يعبر عن غضبه بإطلاق صرخات رهيبة كنا نخافها نحن الصبية الصغار ونحن نشارك الآباء الذين يبنون السدة الترابية المدعومة بالحصران والزور لحماية مدينتنا علي الغربي حتى لا يكتسحها النهر الغاضب وهو يهدر محملا بما يجرفه من أغصان الأشجار الكبيرة والصغيرة وقطع الخشب مختلفة الأحجام التي يتبارى النسوة في جمعها وادخارها للوقود..
ولعل أقرب نقطة إلى الطريق الرابط بين العمارة جنوبا والكميت شمالا لا تقل عن ثلاثة كيلومترات وكان علينا أن نخوض في هذه البرك من الطين الأمغر اللازب ونحن مسلحون بالأحذية المطاطية الطويلة ونرفع فوق رؤوسنا الشمسيات السود، فالسماء لن تبخل علينا بزخات المطر في أية لحظة والسيارة المؤجرة لحسابنا تعجز عن التقدم خطوة واحدة ويعتذر سائقها بلطف ويعلن أنه سيبقى فيها بانتظار عودتنا نحن المعلمين السبعة الذين ينتظرنا تلاميذهم في الجانب الآخر من النهر الذي يواصل إطلاق تحذيراته المرعبة من الاقتراب من ملكوته الرهيب.
ونحن نقترب من النهر شاهدنا أولا السيارة التي تركها صاحبها ورحل مكرها عن دار الدنيا ولم تطاوع نفوس إخوته أو أولاده زحزحتها من مكانها فظلت جاثمة في مكانها وقد أسدلوا عليها غطاءها الأصلي فظلت متلفعة به تهزأ بالريح وعاديات الزمان، ثم شاهدنا» البلم « الكبير الذي سينقلنا عبر النهر وبالقرب منه شاهدنا ثلاثة أشباح نعرفهم هما الفراشان انعيّم واصديّم والحارس قاسم أبو فيصل فسلمنا عليهم ورحبوا بنا وصعدنا إلى البلم وكان عددنا سبعة معلمين فصار عددنا عشرة.
أمسك الرجال الثلاثة المجاذيف الكبيرة وراحوا يناضلون بصبر دون أن تفارق الابتسامة شفاههم والبلم يشق عباب الماء ونحن صابرون نبتسم غير مبالين فقد مرت علينا تجارب مماثلة طيلة السنوات الماضيات ونحن نروح ونغدو لاداء دورنا التربوي من أجل حفنة دنانير ورقية.
ويتطوع عدد من الزملاء ممن هم على خبرة سابقة فيمسكون المجاذيف الاحتياط ليسهموا في مساعدة الفراشين والحارس في أداء دورهم في مواجهة النهر الغاضب الذي يحاول بعناد أن يطوي البلم المقاوم بعناد أكبر حين تفتح موجة غاضبة شدقها الرهيب وهي تحاول ابتلاع البلم برجاله العشرة، ويكاد النصر أن يكون حليفه لولا دعاء الأمهات في كل مكان فيفلت بإعجوبة ويصعد إلى سطح الموجة دون أن تكل عزيمة الرجال المجذّفين ومساعديهم في مواصلة السعي للوصول إلى بر الأمان الذي بات يداعب عيوننا حين تظهر موجة غاضبة أخرى وهي تحاول الثأر للموجة السابقة في تحقيق النصر المؤزر على البلم الذي تحدى جبروتها فتفتح شدقا آخر مثل شدق وحش كاسر وتحاول ابتلاع البلم بحمولته وتخفق ثانية، وفجأة تبتسم الشمس على إنه الهدوء الذي يعقب العاصفة ويتنفس الرجال العشرة الصعداء وينظرون إلى الجرف الذي بات قاب قوسين أو أدنى وتذكروا رحلة العودة ولكن لابأس.. ثم تذكروا سائق السيارة الذي لابد أن يكون شبع بردا داخل سيارته المحتجزة في الوحل.. ولكن لابأس عليه فليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها إلى موقف كهذا ولن تكون المرة الأخيرة..