عقدة (الخفيفي)!

115

حسن العاني /

كانت طفولتي تظن أن إعداد (الكليچة)، قبل حلول عيد الفطر، هو من باب الاحتفاء به، ولابد من أن ذاكرتي، برغم متاعبها، تحتفظ بمشاهد العمل الجماعي في إعداد هذا النوع من المعجنات. ومفهوم العمل الجماعي يراد به (الفزعة)، أي (العونة)، حين تلتقي نسوان الطرف وكأنهن يعقدن اجتماعاً علنياً في المنزل الذي ينوي إعداد (الكليچة)، وسبب الفزعة أن الكمية التي تجري صناعتها كبيرة جداً في بعض الأحيان، فقد كان العرف الأخلاقي والإنساني والديني، يومها، يقضي بإطعام الجيران، أي توزيع صحون المعجنات على المنازل المجاورة – مع الاسف تراجع هذا المشهد وهذا العرف كثيراً في العقود اللاحقة –. وقد تنبهتُ، عندما تجاوزت مرحلة الابتدائية، إلى أن أهم ما في ذلك التجمع النسوي – الذي يبدو بريئاً- هو الفرصة الذهبية لطرفين من النساء: الأول تمثله البنات اللواتي بلغن سن الزواج – فكل واحدة منهن تهيئ نفسها وكأنها على أبواب المشاركة في مسابقة (ملكة جمال المحلة)، حيث تحضر الى التجمع وهي في أبهى صورة، كما أنها تُظهرُ الكثير من الأدب والرقة وحلاوة اللسان، زيادة على إظهار أعلى درجات الشطارة والعافية والمهارة. أما الطرف الثاني فتقوده أمهات الشباب، من الذين بلغوا سن الزواج، لكي يخترن العروس الأنسب لفلذات أكبادهن!!
أعترف بأنني ما كرهت شيئاً في تلك المرحلة الطفولية مثلما كرهت (الكليچة)، وعلة ذلك أنني انحدر من أسرة تفاخر بأنها ابتكرت مصطلح (تحت خط الفقر)، وهو مصطلح مخجل للأنظمة، ويكشف عن مواجع المواطنين معها. ولأننا تحت ذلك الخط، كانت والدتي قبل حلول العيد تصنع لنا (كليچة) من النوع المعروف باسم الـ (خفيفي)، أي بدون حشوة تمر أو مبروش.. الخ، وكان الخفيفي هو (فطورنا) الصباحي على مدى أشهر عديدة، ونفسي تتحرق اشتهاءً لبيضة بالسمن، أو لقمة قيمر، أو جبنة عرب، أو.. ولأن نجوم السماء كانت أقرب لي من هذا الفطور، فقد كنت كثير الزعل و(الطلايب)، وطالما أخمدوا غضبي بالشتائم والصفعات العنيفة!!
تستفيق ذاكرتي الآن على درس من دروس (الحياتية)، والمعلم يسألنا تلميذاً تلميذاً عن تصرفنا مع (ماما)، وكيف نجعلها راضيةً علينا، فلما جاء دوري قلتُ ما معناه “إذا عملت ماما كليچة وقدمتها لنا فطوراً صباحياً فيجب ان نأكلها ونشكرها.” ولا أدري لماذا (فطس) المعلم من الضحك.. هل أدرك –مثلاً- أن هذه هي عقدتي مع الخفيفي؟! مع إنني، والله العظيم، لم أخبره!!