على مائدة العشاء

235

جواد غلوم/

أرغمت على قبول دعوة عشاء من قبل عائلة ابني في أحد المطاعم التي تسمى “فاخرة”،لكني من وجهة نظري أهجسها مهلكة ومؤذية؛ فأنا لا أرتاد هذه الأماكن ولا أستسيغ ماتقدم من صحون ويكفيني طبق اختاره بنفسي وأقوم بإعداده وفق هواي ومزاجي ومدى نفعه والحالة العمرية التي تتطلب انتقاءً مدروساً للطعام خاصة لشيخ يدنو من الهرم مثلي.

ذهبت معهم جمعاً للشمل والالتئام طالما أحفادي يحيطون بي، وهذا مبعث سعادتي ومناي؛ طلبت طبقاً من السلطة وأوصيت النادل باختيار محتوياته وفق ما أرغب وطبقاً آخر من الأوراق النباتية الخضر بينما طلبتْ عائلة ابني أنواعاً من ” الغذاء الغربي” يشمل الهامبرغر واللحوم الحمراء المشبعة بالدهون ولمحت إحدى حفيداتي وهي تؤشر على طعامي وتوصي أباها أن يجلب لها مثل ما أردتُأنا وقد سمعت صوتها برغم خفوته وهي تقول لأبيها:

” إن جدي يعرف كيف يهتم بصحته وقلما يمرض فما زال في أتمّ عافيته ويقرأ ويكتب بعقل نشيط وأرغب في أن أكون مثله من الآن حتى أكبر وأنمو وفقاً لطباعه.”

هذه الحفيدة الصغيرة النابهة كثيراً ماتراقبني في البيت وأنا أعدّ طعامي، ومرةً جمعتُأنواعاً من الخضار في طبق كبير وبدأت أمضغها بعد أن غسلتها جيداً وقد صدمتُ بكلامها الواخز وهي تقول لي بكل جرأة وصلافة أنني آكل مثلما تأكل الخراف وبقية المواشي من الأعشاب الخضر؛ وقد علّقتُ على كلامها وأنا ألقنها معلومة بأن هذه المواشي لم تُصب يوماً بأمراض ضغط الدم والسكّري الشائعة عندنا ولم تتعرّض إلى أيّ نوع من الجلطات أو السرطانات المنتشرة لدى بني البشر ولهذا ترين معظمها بصحة جيدة وذات لحوم مكتنزة وتسابق الريح في حركتها وأنشطتها… ولم ترد عليّ وكأنها اقتنعت بوجهة نظري.

وصل النادل حاملاً بما أكره من الطعام غير النافع لمن أحبهم حبّاً جمّاً؛ وهنا ثارت ثائرتي وكان لزاماً عليّ أن أبوح مالديّ من نصح جارح ولو كره الآكلون بعد أن رأيت على المائدة ما لايخطر على البال من الأطعمة الضارة تقدّم إلى من أحبّ من شطائر الهوت دوغ والأصناف الشبيهة لما تقدمه مطاعم الماكدولاندز والبرغر ولم أعبأ باللياقة في الكلام وأصررت على تنغيص ما سيأكلونه منوّهاًأن هذه الأطعمة الحاوية على نسب عالية من الشحوم ومن السكّريات المصفاة واللحوم الحمراء تعد من الأطعمة الالتهابية الضارة جداً وتقود إلى ما لاتحمد عقباه إضافة إلى مؤداها إلى السمنة المفرطة وما يتبعها من الأسقام والداء المزمن مثل السكّري والخَرَف المبكّر وزيادة احتمالات الاصابة بالسرطانات، ليس هذا فحسب انما تؤدي أيضاًانجرافات في الجينات الوراثية فتسرع في الشيخوخة المبكرة وتحط من خلايا الجسد وبالأخص الخلايا العصبية وتتنامى خارج اطار نموّ الجسد الطبيعية المتعارف عليها وتتحدى السيطرة المناعية التي ضعفت هي الأخرى بسبب تناول مثل هذه الأغذية الماثلة أمامنا باعتبارها أغذية التهابية، وهذا النظام الغذائي المستحدث المبتكر من الغرب يعتبر غريباً على ما يألفه الجسد من الأطعمة الليفية الغنية بالخضار والفاكهة مما يسمى عندنا غذاء البحر المتوسط وهذا مايفسر لنا غياب الأمراض المزمنة السائدة حالياًمثل أمراض القلب والسكري وتصلب الشرايين والسرطانات المتنوعة لدى أسلافنا الاوَائل وانتشارها بشكل مفزع لدى الاخلاف والجيل الحالي المنغمسين كلياً بمثل هذه الأطعمة الدخيلة الضارة جداً.

أعترف أني تماديت في وقاحتي في النصح بشكل متعمّد مؤكداًأن هذه الأطباق الضارة التي أمامي تسمى أطعمة التهابية مخربة للجسد وبالضد من هارمونيكا النموّ المعتاد لأنها تنحو منحى متعرجاً وسريعاً باتجاه الشيخوخة ولا تكتفي بهذا بل تفعل فعلها السيئ في شيخوخة الخلايا كلها فتتيح المجال للخلايا السرطانية النهمة الأكولة الأشعبية أن ترتع وتمرح في الجسم معاندةً للضوابط والترتيب النمطي المؤتلف داخل الجسد فتعبث بالجهاز المناعي وتضعفه ولا يخفى ما لأشعب من حكايا في تراثنا العربي اذ رأى مرةً قوماً يأكلون على خوان فسألهم ماذا يأكلون فأجابوا أنهم يأكلون سمّاً زعافاً ولم يعبأ بما قالوا وبدأ ينهم الطعام بشراهة وهو يدمدم: الحياة بعدكم حرام ولا تساوي شيئاً.

هكذا هي الأطعمة التي تصطف أمامي لا أراها الاّ سموماً تبدو للوهلة الأولى شهية مشبعة ذات مرأى جميل فيقبل عليها المرء اقبال النهم ويسيل لعابه طمعاً بها دون أن يدري أنها ستفتح مجرى الأمراض لتسيل في جسده وترخي مناعته وتعيث بعافيته وتنهم ماتبقّى من عمره نهم الوحوش الجائعة على لحوم طريدتها؛ فالطعام الصحي المنتخب غذاءٌ ودواءٌ وشفاءٌ لا شقاء وعناءٌ.