عملٌ بالصُّدفة

43

بيان الصفدي /

كان العراق مقصد آلاف الطلاب العرب الفقراء، وأنا منهم، لأن كل طالب كان يتقاضى 30 ديناراً مع السكن والكتب بالمجان، مع بدل ملابس شتوية وصيفية. لهذا توجهت إلى العراق أواخر صيف 1976 بلا علم أسرتي، فقد كان الخلاف متصاعداً بين النظامين، فتقدَّمت بطلب قبولي، لكن ظهرت قائمة القبول العادية والاستثنائية ولم يكن اسمي ضمن المقبولين، بعد وشايات من طلبة سوريين كما عرفت، فاسودت الدنيا في وجهي، وعزمت على العودة إلى سورية.
قبل أن أعود رحت أبحث عمن يسلفني مبلغ العودة، فقد كنت مفلساً تماماً، وخطر لي أن أمرَّ بمبنى (رئاسة تحرير مجلتي والمزمار) في الوزيرية لأسأل عن مصير ثلاث قصص وقصيدة للأطفال كنت قد سلمتها للاستعلامات عندهم قبل أسبوعين، ففاجأني الموظف بقوله:
“رئيس التحرير يريد يشوفك!”
دخلت غرفته، وإذا بشاب وسيم بشوش، رحب بي وأثنى على كتاباتي، وأخبرني أنهم بحاجة إلى كوادر للعمل، شرحت له حالي، فأكد لي أنه من السهل تأمين قبولي في السنة المقبلة، وأضاف:
“لكنك تستطيع أن تعمل معنا فوراً بالمكافاة الشهرية، ومنذ الغد!”
ذلك الشاب هو فاروق سلوم.
كان العرض خيالياً لشاب صغير لا يحلم بأكثر من نشر بعض كتاباته، ولم يسبق لي سوى نشر مجموعة شعرية للكبار قيل عام باسم (ويطرح النخل دماً) عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق -الذي قبلني عضواً فيه على صغر سني- وبعض القصائد المنشورة في مجلات وصحف من أهمها (الآداب) اللبنانية ومجلة (أسامة) للأطفال بتشجيع من رئيس التحرير وقتها الأستاذ زكريا تامر.
قلت لفاروق: “هل يمكن صرف مكافأة موادي المقبولة عندكم؟ فشعر بمقدار حاجتي، وأمر المحاسب (نبيل) بصرفها لي، فخرجت بمبلغ 45 ديناراً، وقد أحسستها كنزاً في ذلك الظرف.
عملت في العام الأول بمكافأة شهرية قدرها 40 ديناراً وكانت تعادل 150 دولاراً تقريباً، لكن برزت مشكلة كبيرة، وهي السكن، فقد بقيت لأسابيع متسكعاً بين الأقسام الداخلية ضيفاً ثقيلاً على بعض الطلاب السوريين، ففي العراق وقتها لا غرف للإيجار، وممنوع السكن للغريب -وخاصة الأعزب- بلا موافقة أمنية، ورحت أشكو حالي لزملائي في العمل، فتطوع عبد الإله رؤوف لحلها، فقد كان عديله (أركان العبادي) المسؤول الثقافي في اتحاد شباب العراق، فكلمه، وبين ليلة وضحاها انتقلت من متسكع بين الأقسام الداخلية وطالب قبول جامعي مشبوه! إلى مسؤول الصفحات الثقافية في مجلة “الشباب” وأسكن شقة أنيقة مفروشة في عمارة تابعة للاتحاد قرب ساحة عنتر، تقاسمتها مع رسام مصري مقيم فيها!
ولحسن الطالع أيضاً تعرفت في المجلة إلى نخبة من الأعزاء الطيبين أذكر منهم: شامل عبد القادر وحميد عبد الله وعلي رضا وعلي شاكر وفاضل طعمة وكامل خورشيد ومحمد سبعاوي وآخرون، ولا أنسى أن الثقة كانت كبيرة إلى درجة التندر على النظام وقتها، ولاسيما مع شامل وحميد –الذي صار دكتوراً الآن-.
في العام الدراسي التالي 1977-1978 قبلت بسهولة بعد أن حققت نجاحات ملحوظة في عملي، ولُحنت لي أغانٍ عدة في الإذاعة والتلفزيون، واخترت الجامعة المستنصرية، قسم اللغة العربية، وما إن حصلت على سكن في القسم الداخلي حتى فررت من العمل في مجلة “الشباب” لأنني كنت أشعر بخجل داخلي من العمل في تلك المجلة على الرغم من طلب الجميع أن أبقى معهم، وكانت مكافأتي الشهرية وقتها 50 ديناراً.
كنت بعد مرور سنة قد تعرفت إلى بغداد جيداً، وإلى الكثيرين من أدبائها، وسافرت في رحلات متعددة، من البصرة جنوباً حتى السليمانية والموصل شمالاً، وصارت “مجلتي والمزمار” بيتاً وأسرة لي، ولاسيما بعد تحوُّلها إلى (مديرية ثقافة الأطفال) وعلى رأسها سيدة جليلة قلما يجود الزمن بمثلها هي السيدة أمل علي الشرقي.
وبدأ شريط غريب وعجيب لحياة جميلة على الرغم من كل منغِّصاتها ومخاطرها.