عندما يكون الحلم خارج التاريخ

447

د. علي الشلاه/

غيرت الدول والأمم والجماعات البشرية غالباً رؤاها في بناء الدول أو انشطارها على أسس عنصرية، خصوصاً في دول العالم القديم، كالعراق والشام ومصر، وذلك لاستحالة وجود مدينة أو قرية في هذه الدول تنحدر من عنصر واحد أو اثنية واحدة، ولذا اتسعت المفاهيم فيها لتناظر الرؤى السائدة في كثير من دول العالم الكبرى من خلال قبول مبدأ المواطنة المبني على التعايش والتسامح بين كل بني الثقافات والأديان والمذاهب والعناصر، وجعل التنوع وسيلة غنى وتكامل لا تناحر واختلاف.
لقد أكدت مغامرة السيد مسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في عدم القدرة على رؤية الواقع بمشهد مكتمل، وقد ولدت هذه المغامرة ميتةً، لأنها تتحدث عن خارطة مليئة بمكونات وديانات مختلفة وليست لعنصر واحد هو الكرد، بل أنها لم تكن تاريخياً موطناً لعنصر واحد، ولذا فأن القول بضرورة الدولة الكردية سيقود إلى القول بضرورة الدولة التركمانية والدولة الكلدوآشورية، وهذا يعني أنك تؤسس لدولة ينبغي أن تتجزأ بعد أيام طبقاً لنظرية تأسيسها العنصرية، فلماذا تكون هناك دولة للأكراد ولا تكون هناك دولة للتركمان وللكلدوآشوريين ما دام كل منهم يمتلك ثقافته الخاصة ولغته الخاصة وزعماءه الطامحين للحكم من المهد إلى اللحد؟.

لقد أسست الدولة العراقية الجديدة على أفق دستوري جامع متسامح، يعطي لكل مواطن عراقي الحق في العيش الكريم والتعبير عن هويته وثقافته، وقد أخذ الأخوة الكرد فيها حقوقهم كاملة، بدءاً برئيس عراقي بكامل قيافته الكردية وصولاً إلى كل مؤسسات الدولة ولغاتها وثقافتها، فهل من المعقول أن تنفصل عن بلد ترأسه أنت بحجة أنك غير ممثل فيه؟

أن الحكم الفردي يصبح مغامرة قاتلة وانتحاراً سياسياً، والسياسي الحكيم لا يقع في هذا المنزلق الخطير، والذين أرادوا انتحار الأوطان العريقة العظيمة سيجدون بالضرورة أن انتحارهم أسهل وأكثر قدرة على التحقق.

أنه زمن العقلاء الذين يقرأون التاريخ والواقع، ويدركون خطورة الجغرافيا وقوة الجوار الاقليمي المتوثب، ورغبة المجتمع الدولي بالاستماع إلى نشرات أخبار خالية من المغامرات والمدافع، هؤلاء العقلاء وحدهم هم من تحتاجهم الأوطان لاسيما المتعبة من الإرهاب ومناظر الدماء وجيوش الجرحى والأرامل.

وبعيداً عن الشعارات الغبية، فأن رجال البيشمركه الذين لم يقاتلوا جيش بلادهم، هم أبطال حقيقيون، لأنهم تصرفوا بأفق وطن، ولم ينجروا إلى مغامرة شخص أو قبيلة سياسية.

العراق بخير من البصرة لزاخو.. وهذه صحوة أكدت الاستفادة من أخطاء الماضي.