عن الصدق في الكتابة..

382

أزهر جرجيس/

يصرّ كناوسغورد، صاحب كتاب “كفاحي” الجديد، على وصف الحديث عن الأضواء والشهرة بالمضحك، بل يجد صعوبة في التعاطي معه.
“كارل أوڤه كناوسغورد” مالئ الدنيا وشاغل الناس. الروائي النرويجي الذي ذاع صيته في الأعوام الأخيرة وتزاحمت على باب بيته الكاميرات. مارس فعل الكتابة منذ أيام الآلة الطابعة وألّف عشرات الروايات والكتب. يمتلك شهادة عليا في الفن والأدب المقارن ويكتب في الصحافة الورقية منذ أيام الدراسة الجامعية. نشر المئات من المقالات الأدبيّة في المجلات والصحف الرصينة وألّف أولى رواياته “خارج العالم” سنة ١٩٩٨. تلتها خمس عشرة رواية وكتابا، كان آخرها سيرته الذاتية بستة أجزاء. ترجمت كتبه الى ١٨ لغة وباع ملايين النسخ. أحتفي به على مستوى العالم ونال العشرات من الجوائز.
غير أنّ كناوسغورد ومع كل هذا النتاج والشهرة ما زال يضحك كلما أضفى عليه الآخرون صفة الإبداع، ويصف التعامل مع الأضواء بالأمر المضحك. تصوّروا أنّه يقول في إحد لقاءاته المتلفزة حول تعاطيه مع الأضواء: “إنّه أمر مضحك.. إني أجد صعوبة في التعامل معها.. ربما لأن ثقتي بنفسي ضعيفة.. أنا بحاجة للوقت والعمل.”.. يالله! هذا “النبيّ” النرويجي لا يأبه بالأضواء ولايزال غير مقتنع بما يقدّم، بل يرى نفسه مبتدئاً يعوزه الكثير من الوقت والعمل!
منذ حين وهو يتربّع على عرش الأدب النرويجي والإسكندنافي وربما العالمي في المستقبل، لكنه حتى الساعة لم يدبّج النصائح والدروس ولم يتفلسف ويمارس وصاية أدبية على الآخرين. ألّف كتبه الأولى على الورق وضرب على الآلة الكاتبة حتى تخشّبت رؤوس أصابعه، ولم يدّعِ السبق ويسخّف تجارب الآخرين. يعتكف ويتوارى عن الأنظار حين يكتب، وبرغم ذاك لا يقلقه زملاؤه في الأدب ولا ينتحس حين يراهم تحت الأضواء، بل لا يستنكف أن يقدّم التهاني ويشهر بها كلما برز أحدهم.. هذا ما يشهد به زملاؤه كل يوم.
أرجوكم، احفظوا هذا الاسم جيداً “كارل أوڤه كناوسغورد” روائي عظيم يكتب بذات الصدق الذي يعيش به حياته. كان آخر ما نشره سيرته الروائية بستة أجزاء ضخمة، تحكي عن الحب، الحياة، اللهو، الأحلام والموت. لقد عنونها من باب السخرية بـ “كفاحي”، فحياته في الواقع لا تعدو أكثر من محنة عاشها في ريف قاسٍ مع أب مدمن يعنّفه ويصفه بالفاشل، ثم كبر فوجد نفسه متورطاً بتربية أطفالٍ وطبخ وتنظيف وعمل، لكنه أراد أن يسخر من هذه الحياة فاستعار لها عنوان كتاب هتلر، كفاحي.
الفرق أنّ هتلر كاذب متبجّح سلّط الضوء في “كفاحه” على انتصاراته وحدها، بينما فضح هذا الكاتب النرويجي ذاته، فكتب عن خيباته وخساراته وصدماته وصراعاته النفسيّة بأدق تفاصيلها. دوّنها على آلاف الصفحات بستة مجلدات كتبت بأسلوب بسيط وآسر، فحاز على العشرات من الجوائز العالمية المرموقة وتُرجم العمل الى العشرات من اللغات الحيّة وبيعت منه ملايين النسخ.
لقد فرغت البارحة من قراءة الجزء الأول من “كفاحي” بنسخته النرويجية ومنذ السطور الأولى عرفت السرّ وراء فرادة هذا الكاتب وتميّزه.. إنّه الصدق في الكتابة يا سادة.