غضب الرب

21

يوسف المحمداوي /

أغلب الظن بل أجزم لو أنَّ الفنان الأميركي الراحل هاري دين ستانتون كتبت له الحياة إلى يومنا هذا وعاش مأساة وباء كورونا لما حاد عن كلمته الشهيرة التي يقول فيها: “في النهاية، سوف ينتهي بك الحال متقبلاً كل شيء في حياتك، المعاناة، المخاوف، الحب، الفقد، الكره، الحياة شبيهة بفيلم درامي على أي حال”، وقد يزيد عليه ما نشاهده اليوم من معاناة مع هذا القاتل الخفي الذي عجزت التكنولوجيا الحديثة عن معرفة مصدره، وكأنَّه فيلم سينمائي فرض علينا أن نشاهده؛ يستعرض مأساتنا ويستعمرنا بطغيانه ووحشيته من غير رحمة.
صلة الرحم غادرتنا من غير رجعة وبقي السؤال عنها في غياهب الهواتف النقالة وشبكات التواصل الاجتماعي خشية من هذا الدكتاتور المستبد، أفراحنا قد أكل عليها المرض وشرب، وأصبحت أغاني وأهازيج الأعراس في جوف هذا الحوت المفترس، الوالد يخاف من ولده والأم تخشى ابنتها ولا يتزاورون اذا أصيب أحدهم بالداء، والذي يقتله هذا البلاء لا يجد مشيعيه كما عهدهم وتمنَّاهم لتصبح قراءة سورة الفاتحة تتلى على الميت بالخفاء أو من خلال شبكات التواصل والاكتفاء بكلمات نراها ونشعر بأنَّها خجولة ولكنَّنا كالمغلوب على أمره في ترديدها “البقاء في حياتكم، خاتمة الأحزان، البقاء لله، طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته، وغيرها من مشاعر العزاء التي تراها عائلة الفقيد تخلو من المشاعر والروابط المعهودة بين الأسر والعشائر العراقية، والأغرب من ذلك أنَّ بعض المتوفين دفنوا في مقابر خاصة للمصابين بالفيروس بعيداً عن مقابر أهلهم وذويهم، وهذا ما يجعل زيارتهم ملغاة تماما خشية من الإصابة لتمحى أسماء الضحايا تماماً من أرشيف الذاكرة .
العلاقات الإنسانية بين الناس بسبب الخوف والحذر وصلت إلى درجة انحطاط لم ولن يتصورها أي عراقي، فمن الذي يفكّر بأنَّ أحد كبار السن يصيبه الإعياء ويغمى عليه في الطريق ولم تجد من ينتبه له أو يهرع لإنقاذه، خشية من هذا القاتل المخفي الذي يسميه البعض بالغضب الرباني وحاشا لله الرحيم الغفور أن ينتصر لغير الخصال الحميدة.
المؤسسة التعليمية أخذت حصتها الكبيرة من الانهيار المأساوي الذي لم تفلح جميع الدوائر العلمية والتربوية العالمية والمحلية في إيجاد الحلول لديمومة استمرار الطلبة على مقاعدهم الدراسية، وهذه من أكبر المآسي التي تمر بها المسيرة التربوية في العالم وليس بالعراق فقط، فأصبح النجاح للطالب مجانياً من غير جهد ولا استيعاب معرفي للضحايا من هذه الشريحة وكأنَّ هذا الكابوس يقودنا نحو عصور الجهالة والظلام كما خطّطت عصابات داعش ومن شابهها بالفكر الوحشي أن تغذّي وتربّي شبابنا عليه ولم ولن تفلح، وها هو عيد المعلم هذا العام وصاحب العيد كالمنفي عنوة خارج خريطة رسالته التربوية بعد أن أصبح طالبه تحت وصاية الحاسوب والنت، متناسيا ما قاله أحمد شوقي ومُردِّداً بمرارة المخذول “قم “للمنصة” وفها التبجيلا … كاد المسنجر أن يكون رسولا”.