غياب قنوات الأطفال!

239

محسن ابراهيم/

عندما كنا صغارا كانت الأحلام تأخذنا بعيدا ونحن مجتمعون حول نار المدفأة وحكايات أمي. نحلق على بساط الريح في سماء ألف ليلة وليلة وقصص الخيال والشاطر حسن, يبحر بنا السندباد البحري الى جزر ساحرة, نهيم في هذا العالم الساحر وفضاء الحكايات, حين كان الفضاء لايتسع إلا لحكايات أمي, ترجمت تلك الحكايات الى شخوص متحركة على الشاشة الفضية حتى أمسى الطفل لصيقا بهذه الشاشة قبل أن تستبيحه الأقمار الصناعية والبث الفضائي, وقبل أن تعج الأرض بالحروب والصراعات ليعيش الطفل وضعا صعبا فرضه واقع مثقل بالنزاعات السياسية، ليحتل الاهتمام بالطفل وثقافته مرتبة متأخرة في قائمة الاهتمامات. إن الكثير في مجتمعنا يجهل بأنَ الطفل ذلك المخلوق الصغير متورد الروح كزهرة يشكل داخل عالمهِ الخاص لبنة أولى من السلوكيات والقيم الإنسانية الوليدة التي تحتاج لمن يكون مؤتمناً عليها كي تُثمر بنبل مطلق كما كانت ذائقة الغزالي التربوية تختصر المهمة بمقولة رائعة (لايربي الإنسان إلا من كانَ أكثر من إنسان). اللائمة الكبرى في غياب ثقافة الطفل تقع على القنوات الفضائية، فالإعلام اليوم هو الموجه الأول للرأي العام، وهذه القنوات اتسعت برامجها لكل ما من شأنه تأجيج المناكفات السياسية، ولم تتسع لبرنامج واحد موجه إلى الطفل يعمل على تنمية مواهبه ومهاراته ويراعي خصوصيته. غياب ثقافة الطفل ليس وليد الراهن، ولكنه إشكالية امتدت لعقود، وكان الأمل قائما في أن تغييرا إلى الأفضل سيعيد الاعتبار إلى هذا الشأن الأهم, وبالتالي لا لوم على الطفل بعد ذلك إذا أصبح رهينة في عصر الفضاء المفتوح لقنوات تقدم له ثقافة العنف في برامج براقة ظاهرها التسلية والفائدة وباطنها الخداع والضياع.